‏إظهار الرسائل ذات التسميات أمسية نجيب محفوظ يناير 2013. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أمسية نجيب محفوظ يناير 2013. إظهار كافة الرسائل

السبت، 5 أكتوبر 2013

فن الصورة لدى نجيب محفوظ


        يمكن القول أنه بين الفن التشكيلي والأدب منطقة مشتركة، فهما لغتان مختلفتان في القواعد والأدوات، لكنهما يشتركان في أن قلم الكاتب وريشة الفنان بينهما العديد من الرؤى التقاء في الأعمال الإبداعية والمواقف السياسية ، وهذا ما يؤكد أن الأديب والفنان يمكنهما الانطلاق من أرضية واحدة هي البحث عن الجديد داخل النفس الإنسانية، فالأدباء مثلهم مثل الرسامين لهم عادة لا تقاوم في تخليد كل مكان سكنوه أو عبروه، حتى لو كان مقهى صغير كتب فيه يومًا، وقد تميز محفوظ عن غيره من الأدباء، بأن له ذلك الخيال البصري الملهم، القادر علي تجسيد الشخصيات والأماكن، خاصة الحارة المصرية التي ارتبط بها ارتباطا وثيقا، فجعله خلفية لكثير من أعماله الأدبية.
ومن أعمال نجيب محفوظ الكثيرة التي التقت فيها الكلمة بالصورة "أحلام فترة النقاهة" التي كتبها بعدما توقف عن الكتابة لفترة طويلة، تجلت خلالها رمزية الألوان والتشكيل البصري على النحو التالي.[1]
أفق داكن وسحابات خضراء، بساط أخضر، قط فرعوني يسير هادئا بثبات، أرجله القصيرة تتحرك فوق البساط الأخضر.
طيور بيضاء تجتمع فوق البساط الأخضر هي طيور ممتلئة سمينة أقرب شكلا إلي الغنمات منها للطيور.
جسد أخضر لفتاة في حالة تجانس مع البساط، جسد شاب وشعره أسود كالليل يطير، ويد تحتضن زهرة حمراء تضفي بهاءا ورونقا علي وجه برتقالي مجرد الملامح والتفاصيل، قمر مضيء بالأصفر والأحمر يحتل موقعا يربط الفضاء الداكن بزرقته بخضرة البساط، وشذرات من الأبيض المشوب بالبني تحيط جسد الفتاة وتحول البصر إلي شجرات أربع في الأفق تؤكد العلاقة بين فضاء وبساط.
        كما كان عالم نجيب محفوظ ملهما أيضا لكثير من الفنانين التشكيلين، سواء الذين صاحبت رشتهم أعماله الأدبية، فكانت ترجمة بصرية لإعماله، أمثال الفنان حسين فوزي، حين صاحبت رشته تجسيد فصول رواية " أولاد حارتنا " التي نشرت بصحيفة الأهرام في 100 رسم على مدى ما يقرب من العام "حفلت اللوحات بالعديد من النغمات بالأبيض والأسود .. تنوعت فيها الإيقاعات مع التحليل المعماري الذي يعطى الإحساس بالكتلة ويحفل بالتنوع والثراء"
ولأن عالم نجيب محفوظ الروائي يزخر بفنيات التشكيل والرؤية، فقد جذب معه فنانين كثر ليلتقيا الأدب مع التشكيل ولا شك أن من أهم الأعمال الفنية التي تقابلت مع عالم نجيب محفوظ ما قدمه الفنان سيف وانلى من ترجمة تعبيرية لشخوص " المرايا "، التي صاحبت الرواية حينما كانت تنشر بمجلة الإذاعة والتليفزيون عام 1971.
كما تألقت أعمال نجيب محفوظ أيضا في لوحات عديدة لفنانين لتشكيلين. فعندما نقرأ خان الخليلي أو زقاق المدق وبين القصرين أو نطوف (بدنيا الله) نجد في تصوير محفوظ ما نراه في أعمال الرائد يوسف كامل، الذي ظل قلبه معلقا بين القاهرة التاريخية والشعبية بتلك المنافذ والكوى والدروب والبوابات والسلالم الشاعرية العتيقة فصور بيت البكرية والباب الأخضر وبوابة المتولي وغيرها من تلك المسافات والمساحات المسكونة بلمسة الزمن.
كما جاءت لوحات فنان الباستيل محمد صبري للقاهرة الفاطمية بأبوابها وبواباتها في أكثر من 200 لوحة. وفي مقهى نجيب محفوظ بخان الخليلي وتطل علينا 16 لوحة للفنان صبري تمثل شارع المعز وبوابة الفتوح وبيت السحيمي وباب زويلة والجامع الأزرهر، وكلها تمثل مسرحا لحكايات محفوظ الروائية والقصصية. كما يتصدر المكان بورتريه للكاتب الكبير من إبداع صبري أيضا وقد صوره له بعد نوبل.. وكان يذهب إليه يوميا صباحا بمقهى علي بابا حتى انتهى منه.
ونجد حميدة كما وصفها محفوظ بملامحها ولون بشرتها وسحر عينيها، تكاد تطل من لوحات محمود سعيد بكل أوصافها.. وليس غريبا أن الموديل المفضل عند محمود سعيد الذي ظل يرسمه طوال حياته يدعى حميدة .
كما ارتبط الفنان- جمال قطب بعالم نجيب محفوظ، فقد تصدرت رسومه أغلفة رواياته وقصصه القصيرة من بداياته الأولى وحتى أعماله الأخيرة في أكثر من خمسين عملاً، وقد جسد هذا العالم الذي يمتد من الواقعية التاريخية والفنتازيا كما في روايات محفوظ الأولى، إلى الواقعية الطبيعية والفكرية والواقعية النفسية كما في السراب، والواقعية الرمزية كما في زقاق المدق إلى العبث واللامعقول كما في تحت المظلة.
وقد صوره جمال قطب في أكثر من بورتريه من بينها نجيب يبدو مبتسماً متأملاً وحوله شخوصه العديدة أبطال رواياته، تنوعت الصورة الشخصية لمحفوظ من فنان إلى آخر مثل الصورة التي صورها له صبري راغب والتي جمعت بين الخفة والصلابة بلمسات قصيرة، كما صوره جمال كامل في بورتريه استحضر فيه شخصيته البسيطة المتواضعة فقد كان نجيب موضوع بورتريه لكثير من الفنانين الآخرين أمثال مصطفي حسين وغيره الكثير.
صفاء سيد 




[1]  حامد أنور: بين التشكيل والأدب (التأثير.. والتأثير المضاد)، مجلة التمدن، 7/6/2008.

الجمعة، 4 أكتوبر 2013

أولاد حارتنا من زاوية منفرجة



قرأت أولاد حارتنا للمرة الأولى إبان محاولة اغتيال الكاتب الراحل نجيب محفوظ في التسعينات، حين نشرتها إحدى الصحف كاملة في عدد خاص لم يحتو على شيء سوى الرواية. استعرت الجريدة من صديق استعارها من صديقه بدوره وقرأتها في فترة قياسية. كنت وقتها في الصف الثانوي وقد قرأت كل أعمال نجيب محفوظ إلا هذه الرواية بسبب منعها. أول ما فكرت فيه بعد قراءتها أني لو كنت قرأتها قبل أعماله الأخرى ما قرأت تلك الأخرى أصلاً. كراهية عميقة تولدت داخلي للرواية وإحساس بميلها للمادية والعلمانية وجرأتها في استخدام الرمز. ضمنت إحدى رسائلي بعضًا من انطباعاتي الأولية هذه عن الرواية وارتأى أخي الكاتب محمد حمدي غانم أن يجعلها في مقال نشره لي في موقع كان لنا سابقًا.
ثم حصلت مؤخرًا على نسخة من طبعة الرواية الجديدة بعد أن سمح بنشرها، وقررت أن أقرأها بعينين جديدتين وعقل أضاف ثلاث عشرة سنة لخبراته ورؤيته؛ وأن أعامل الرمز كما يستحق أن يعامل. وأقر أن رؤيتي الأولى كانت قاصرة بنسبة كبيرة.
لكي نلج إلى "أولاد حارتنا" بشكل صحيح، يجب علينا أن نعامل الرمز وعلاقته بالمرموز بحذر. وأبسط تعريف للرمز هو ما نقله لنا د. علي عشري زايد في كتابه "عن بناء القصيدة العربية الحديثة" بأنه "محاولة تقديم حقيقة مجردة أو شعور أو فكرة غير مدركة بالحواس في هيئة صور أو أشكال محسوسة".
إذا عرفنا هذا، وأضفنا إليه أن الرمز في "أولاد حارتنا" استخدم لإسقاط العبرة في قصص الأنبياء على الواقع المعاصر؛ ثم انتبهنا ـ وهذا أهم شيء ـ إلى أن الجبلاوي ليس إلا رمزًا للدين وليس لله عز وجل، تعالى عن ذلك علوًا كبيرة؛ فهمنا ما يرمي إليه نجيب محفوظ.
أقرب ما يرد بخاطري إلى أسلوب "أولاد حارتنا" هو أسلوب الشيخ الشعراوي رحمه الله الذي كان كثيرًا ما يستخدم أمثلة حياتية للتدليل على وجهة نظر ما في علاقة العبد بربه سبحانه وتعالى، فيورد مثالاً لرحمة الأب لولده ثم يجري ذلك على علاقة الله بالعبد شافعًا ذلك بعبارته "ولله المثل الأعلى". لو ظللنا لسنوات نردد قصص الأنبياء على آذان البسطاء مستنبطين منها العبرة تلو العبرة ومبينين أن كفاح هؤلاء الأنبياء ضد الطغيان هو قصة تتكرر كل يوم، ما بلغنا ذلك الأثر الذي بلغته "أولاد حارتنا"، وهذه روعة الرمز والإسقاط.
في "أولاد حارتنا"، الجبلاوي هو "جدنا، جميعنا من صلبه"؛ وهو سيد الحارة ومنشئها و"باسمه سميت حارتنا. وهو صاحب أوقافها وكل قائم فوق أرضها والأحكار المحيطة بها في الخلاء"، والأهم من ذلك أنه "هو أصل حارتنا وحارتنا أصل مصر أم الدنيا". بهذه العبارة الأخيرة، يوضح نجيب ببساطة أن ما سيعرضه هو نموذج مصغر لما يحدث في الأمة العربية والإسلامية، وهذا لا يتناقض مع من فسر الرواية بأنها رسالة إلى الثورة المصرية لتحدد موقفها أهي مع الناس أم مع الحكم، لأن نجيب أراد لرسالته في الرواية أن تكون عامة شاملة غير محددة ببلد معين، لأنها بهذا تشمل فيما تشمل مصر وثورتها وحكامها.
نجيب يقول إننا جميعًا أبناء هذا الدين "جميعنا من صلبه" وباسمه تسمت أمتنا، وباسمه أيضًا نستذل ونقهر من قبل من يتحكمون في أوقافه، كما جاء على لسان إحدى الشخصيات. والجبلاوي/الدين يتغير موقفه في الرواية من قمة القوة في بداية الأمر حين عاش في الحارة وهي "خلاء خراب، ثم امتلكها بقوة ساعده ومنزلته عند الوالي" إلى قمة الضعف بل والموت في نهايته، ويصاحب ضعفه ضعف الحارة/الأمة في كل لحظة عدا لحظات القوة القليلة التي تسطع هنا وهناك. وبين القوة والضعف انعزل الجبلاوي في بيته ولم يعد يراه أحد.
اختار نجيب خمس قصص، أدهم/آدم، جبل/موسى، رفاعة/عيسى، قاسم/محمد و عرفة/العلم.
وإذا كان جبل ورفاعة وقاسم يمثلون أهم التغيرات في المنطقة العربية بحملهم للرسالات السماوية الثلاث، فإن أدهم يمثل بداية الابتلاء والخروج من النعيم إلى الكفاح والنموذج الأول للضعف الإنساني ومزيج النقاء والخطيئة في نفس كل منا. كما يمثل إدريس/إبليس مبدأ الشر وبداية الصراع الذي لا ينتهي. ثم يجيء عرفة ليصور تأثير العلم والمادة في الحياة بعد أن اكتملت رسالة السماء إلى البشر.
كنت، في قراءتي الأولى، شديد الامتعاض لرؤيتي (جبل) وهو يدخن الجوزة مع الساحر الذي علمه والذي سيزوجه ابنته أو لشرب رفاعة للخمر. والحقيقة أن هذا كان خلطًا مني، فالشخوص هنا انسلخت من القصص الأصلية ولم تعد شخوص أنبياء معصومين من الخطأ ومنزهين عن صغائر البشر. لقد صارت شخصيات من صميم الحارة المصرية لأننا ـ ببساطة ـ صرنا نتكلم عن الحارة. هذه الشخصيات، كما هو معتاد في سكان الحارات الشعبية القديمة، تدخن الحشيش والجوزة وتشرب البوظة أحيانًا.
لا يجب أن نتوقع أن نقف أمام شخصيات متدينة أو مترفعة عن الحياة العادية وإلا انفصلت عن الواقع وفقد الإسقاط مغزاه.
حبكة الأحداث كذلك لم تعد واحدة، لقد اتخذ نجيب من أحداث قصص الأنبياء إطارًا لقصص حارته، فجبل حين يهاجر من حارته يتعلم السحر في سوق المقطم لأن سحر موسى كان معجزة من الله سبحانه وتعالى أما هنا فالأمور تجري مج رًى ماديًا بحتًا بعيدًا عن العون الإلهي.
نعود إلى القصة. كما في الحرافيش، يؤكد نجيب على استمرارية الصراع بين الخير والشر حيث يجثم الشر طويلاً على صدور الناس حتى يخرج من يكافح لتحويل هذا الواقع الأليم ويشق كوة نور في جدار الظلام الدامس تشع قليلاً ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه. لكن الشر هنا يتمثل في صورة ناظر الوقف/الحاكم والفتوات/الطغاة/الذراع الباطشة للحكم بينما كان هناك في صورة الفتوات فحسب. ومرة أخرى، تتنوع أساليب مكافحة الطغيان كما حدث في الحرافيش، حيث كان كل من يخرج لمجابهة الفتوات يأتي بأسلوب مختلف عن سابقه لكن ينقصه شيء يمنعه من الاستمرار على الدرب فتعود الأمور إلى ما كانت عليه. التغير في أولاد حارتنا يجيء في تغير الرسالة حسب الزمن. فجبل، يأتي بالشدة والعدل الذي لا يعرف التنازل، ورفاعة يأتي بالرحمة التي تنأى عن الشدة، ثم يجيء قاسم بالوسطية وتعم رسالته أحياء الحارة جميعًا بخلاف جبل ورفاعة اللذين كان كفاحهما موجهًا لنصرة حي كل منهما فحسب.
المفارقة أن المرء بعد نظرة متأنية إلى "أولاد حارتنا" يجد أنها رواية دينية القصد تعلي من شأن الدين وأثره في الأمة وتبين ما أصابها من وبال حين ابتعدت عنه وحين عزلها الحكام عن روح الدين وعدله وحكموا باسمه لكن بقواعدهم مخالفين "شروطه العشرة" في توزيع الوقف.
لكن، ما الذي عناه نجيب بموت الجبلاوي قبيل النهاية متأثرًا بجرأة عرفة التي دفعته إلى التسلل إلى قصره بليل وقتله لخادم الجبلاوي المخلص. وما معنى أن يقول الناس "لا شأن لنا بالماضي، ولا أمل لنا إلا في سحر عرفة، ولو خيرنا بين الجبلاوي والسحر لاخترنا السحر". هل هذه دعوة إلى العلمانية؟
لا.. هذه النهاية تقص ببساطة ما حدث للأمة حين رمت تراثها الحضاري الديني وراء ظهرها وانبهرت بحضارة المادة المبنية على العلم وحده. هذا العلم الذي سفه من شأن رجال الدين (خادم الجبلاوي) في نفوس الناس فمات الدين في قلوبهم. أما قولهم إنهم يفضلون السحر، فإن نجيب يوردها مسبوقة بقوله: "ومن عجيب أن تلقى الناس أكاذيب الرباب بفتور وسخرية، وبلغ بهم العناد أن قالوا...".
فقصص الأولين، أدهم وجبل ورفاعة وقاسم، التي كان الرباب هو المؤرخ لها، صارت "أكاذيب الرباب"، وقولهم إنما انتهوا إليه بعد أن "بلغ بهم العناد".
الحقيقة إذن، أن نجيب يقرر ببساطة أن الأمة لا يمكنها أن تتخلى عن الدين ولا أن تستبدل به الحضارة المادية العلمية.
وربما يتبادر إلى الذهن تساؤل: لماذا فصل نجيب بين الدين والعلم رغم أن الدين دائمًا ما يحث على العلم؟ وأرى أن القصد هنا بالعلم هو الحضارة المادية التي جاء بها الغرب. ربما كان يجدر بنجيب أن يلمح إلى أن هذه الحضارة المادية كانت ملكًا للأمة فيما مضى ونبعت من حضارتها الدينية أولاً، لكن يبدو لي أنه إنما كان يناقش خطوطًا عريضة ويهتم أكثر بمسار الصراع بين الخير والشر والنتائج النهائية لكل من التطورات الكبرى في حياة الأمة.
نحن أمام عمل يلخص تاريخ البشرية ببساطة شديدة، ويضعنا ببراعة أمام معضلتنا ليذكرنا بما يجب علينا أن نفعله.
الشاعر/نزار شهاب الدين

قراءة في حرافيش نجيب محفوظ والأعمال السينمائية المأخوذة عنها


ريفيو القراءه الاولى مطلع سنه 2002: من اعمال نجيب محفوظ اللى محبتهاش ...كثيره الاحداث و الشخصيات و التشابكات و لكنى لم اجد فيها بغيتى...تقييم 3 نجوم

****************************
و بعد عشر سنوات
****************************
ريفيو القراءة الثانيه نوفمبر 2012: تركتنى الرواية تلك المرة مبهورة..هل كنت عمياء؟؟ كيف لم ار فى الحرافيش قبلا سوى مجموعة من الحمقى يهتفون "اسم الله عليه" مع كل منتصر...لقد نظرتهم تماما كنظره جلال ابن زهيره بائسين غير جديرى بالاهتمام او الولاء...انتظرت -قبل عشر سنوات- معنى اكبر و رسالة اعظم وراء كل قصة و لم ادر انى تماما ك"سينتايجو" الخيميائى وجدت الكنز فى الرحلة ذاتها لكن بعد عشر سنوات...تتضح لك الرؤيا و لو قليلا...يقدم لك نجيب محفوظ جرعة كبيره من الدراما و تطورها بشكل يدرس كمثال على الابهار و الامتاع
****************
يبدأ معك الرحله مع عاشور نفسة...كيف نسج حوله الغموض حتى فى نشأته و لعلى وجدت وجها للتشابه مع ادم...بلا اب او أم ...لا شئ سوى اختيار الشر او الخير مفردا بلا ناصح...حتى شخصية درويش شعرت بها ابليس اللعين الغيور دائما الداعى الى الفساد....شئ فشئ يتحول الى نوح جديد...وحيدا بلا اهل مره اخرى فى طوفان لا يراه غيره...لعلى مسرفة فى خيالاتى و لعل التشابه ليس موجود فى الاصل لكنها انطباعاتى اود تدوينها لعل قراءة ثالثه بعد عشر سنوات اخرى تكمل الصورة ....ليتحول نوح الجديد الى الناجى...عاشور نفسه حامل للخطئيه ربما اكثر من مرة ...من زواج عجيب الى سرقة واضحه...و تظل نهايتة اجمل ما كتب نجيب محفوظ بلا تقييد بمنطق او قيود
***************
شمس الدين: عشقته...شاب جميل الطلعة,مهذب,شريف مغوار...قريب الزمن بعاشور ...سار على الدرب..له ايضا عثراته كغيره...لكنه صافى...بلمحة بصر -و دون ان تشعر- تراه شيخا يحارب الزمن
-ربما لم يصل لدرجه حفيده جلال-
يصارع الشيخوخه...يجعلك تلمس وجهك باحثا عن تجاعيد مخفيه...مرور الزمن فى هذا الجزء خاطف..يشعرك بالخوف منه ليس منسابا كباقى اجزاء الحرافيش
***************
و دون ان تشعر تجد ان زمن شمس الدين انتهى...تأسف على ضاحك السن لكنك تقرر ان "الحى ابقى من الميت" و تسير فى ركب سليمان....سليمان شخصية مفصليه فى العمل فهو نقطة التحول الاولى فى حياه عائله الناجى...نصف و نصف...نصف حياه عاديه كابيه و جده و نصف حياه الترف و اكل التفاحة المحرمة
**************
هابيل و قابيل الجدد..ربما بلا دماء "كثيره" لكن الصراع قائم عن خضر و بكر اتحدث...منعمين بعيدا عن الفتونه...يدور بك محفوظ فى قصور عربية,زجاج ملون,ارابيسك,و كثير من النميمه و الاحداث...تتسأل دائما عن الوريث
*************
لتصل الى "سماحة" الابن الاقل حظا على الاطلاق....سماحة بتعاسته الدائمه بعد امل و شباب...من عاشق و راغب فى القوه الى قاتل مدان...ثم تحول سريع الى أب لابناء...ظللت اعد الايام مع سماحة انتظر العشرون عام ان تنقضىاه يا سماحة كم ارهقتنى!!...ظللت احلم طيله اسبوع كوابيس من امثال سماحة...ماذا لو حدث -لى- حدث عارض ما اضاع عمرى؟!...حدث ما جعلنى امضى ادون الايام يوما بعد يوم و كل طموحى ان يضيع من عمرى عشرين عام...لا اعلم لما اخذت قصة سماحة بتلك الشخصية و كأنها موجها لى..ففى النهاية يستمر العرض بشخصيات جديده...و عمر الشخصية مجرد صفحات لكن يظل سماحة غصه فى حلقى ..و كأن نجيب محفوظ يأبى ان يصير سماحة مأساه فتنقلب الى ملهاه بنهايه مضحكة باكية يضيع معها باقى عمره

جدير بالذكر بان قصه سماحة"المطارد" قد تحولت الى فيلم سينمائى


بطولة نور الشريف...اعجبت بالفيلم قبل قراءه الرواية لكن تغير رأيى الان ...لم يستطع صانع الفيلم ان يقدم قصة سماحة كل كأبتها للمشاهد فعدل و اكثر التعديل فافسد جوهرها

***************

لا يترك لك محفوظ وقت طويل للتحسر على "سماحة" فها انت ترى قرة و وحيد و رمانة فاما وحيد فلا يخجل من شذوذه الواضح...لكن بطشه هو من يحميه دائما كما حمى غيره..ترى الحرافيش فى تلك المرحلة فى زاوية لا يخرجون منها...يتحولون الى مهنئ للفائز,شامتين علنا فى الخاسر...حاقدين سرا على الجميع و تعاد كما يعاد كل شئ...قصه قابيل و هابيل بين رمانه و قرة...قرة شاب يافع لطيف المعشر لا تستطيع سوى ان يذكرك بشمس الدين ,يدخل قلبك فورا بلا استئذان..ربما كان ضعيف قليلا لكنه دائما طيب القلب متحمل للعواقب و ان لم تكن مسؤوليته,و كعادة الطيبين يأتى العقاب قاسيا

يختفى قرة الى الابد
************
عزيز...شاب جميل ينشأ بين طيات الغل و القهر و الكراهية,عجيب كيف لم يتحول الى شخصية عدائية على الرغم من ظروف نشأته...ربما تحول لشخصية سلبية قليلابالطبع تظن بى انى جننت فانا اتحدث عن شخصيات درامية و كأنها حيوات من لحم و دم..لكن اعذرنى قليلا...تلك الشخصيات مع طول الروايه تحولت الى اصدقاء و عشره عمرو
ثانية دون ان تشعر يصبح الشاب عزيز , كهل اب و اطفال و شعرات بيضاء غزيره لتظهر شخصية اخرى رئيسيه و يذهب عزيز الى زاوية النسيان
************
زهيرة...البطله الوحيده فى العمل..الوحيدة ذات شخصيه رئيسية...فهى ليست مجرد اخت او زوجة او ذاك النموذج لفتاة ساحرة تمشى فى الحارة لتجذب البطل لتصير "مجرد" زوجة عملها الوحيد انجاب مزيد من الشخصيات ليختار احدها كفتوه الحارة الجديد

زهيرة هى الحماس القاتل,الحلم,التطلع القاتل الى المجد...عاده بنتقد وصم البطلة بالسوء لمجرد التطلع لكن تذكر بان "معظم" شخصيات الروايه شخصيات سلبية فى الاصل...فجعل زهيرة ملاك كان ليكون ثقب فى ثوب فاخر

لعن الله "نادية الجندى" لاخدها هذا الجزء "شهد الملكة" فى فيلم مستقل



لم استطع اخراجها من عقلى طيله الجزء..فلمسات نادية الجندى على الفيلم واضحة اكثر بمراحل من لمسات نجيب محفوظ ذاته...فكأنها و زهيره متطابقين...لم استطع الفصل للاسف
*****************
مع نهاية اخرى "حزينه" لزهيرة..ظل التساؤل قائم...هل الوارث من نسل عزيز ام زهيره ام لعله الطفل المشترك و يقع اختيار نجيب محفوظ على "جلال" ابن عبد ربه لاكمال الملحمة,من طفل فى الكتاب,لعاشق كالمعتاد,الى نقطة تحول رئيسية...الموت شخصية اخرى مثيرة جدا للاهتمام: جلال ابن زهيرة...هل يمكن لشخص ان يتحدى الموت؟؟ ليس على طريقة شمس الدين بمجرد الانكار,هل هذا الذى علينا حق لا مهرب منه؟؟ و لتستمتع بقصه جلال فى محاولته لتحديه ,جلال شخصية معقده جدا و ممتعه لكاتبها و قارئها,وصولا الى المئذنه الملعونه و السجن الاختيارى يصل الجنون الى منتهاه
*****************
لتصل الى قمة المأساه و الملهاه
فصل الاشباح:فى طريقة مشابه لروايه "مئه عام من العزلة" تكرر الاسماء و الاحداث و نمط الشخصيات: جلال اخر,شمس الدين اخر سماحة اخر...يصل مرور الزمن فى هذا الفصل الى اكثر سرعه دونت له...فانت لا تكاد ترى شخصية حتى تبتلى بشعر ابيض و شاب اخر جديد
****************
لتصل الى فتح الباب بل لنصل الى الجوع و كأن من يخبرك بان الحياه ليست فقط دورة الحياة و الموت..ليست فقط الوليد فالشاب فالكهل و الموت...الجوع يتربص دائما يبطئ من حركة الزمن ..الجوع فيلم سينمائى اخر


لعله اكثر جوده"بمراحل" من شهد الملكة...و يظل عبد العزيز مخيون فى فتح الباب فى مخيلتى بلا منازع و العبقرى محمود عبد العزيز فى دور سماحة الثانى و كعاده اى امل او صحوة تقتل المئذنة المعلونةاو لنقل ضعف الحرافيش فتح الباب بلا ادنى اهميه
*****************
يخرج من نسل سماحة...ربيع...و بربيع و حليمة يبدأ الفصل التالى من ملحمة الحرافيش التوت و النبوت فيلم سينمائى اخر


التزم بالنص الى حد كبير لولا بعض من "التوابل"السينمائيه لم تؤثر كثيرا و لم تفرق الفيلم عن اصل الروايةفائز و ضياء و عاشور...هم على الترتيب سمير صبرى,محمود الجندى و العلايلى

رجوع جديد للحرافيش و العدل
******************
و كما لم تبدأ النهاية لا تنتهى...ففوز الحرافيش الاخير يشعرك دائما بانه مؤقت كغيره...لكن من اخبرك

ان فى الحياه بدايات و نهايات قاطعة...بل مجرد دوائر لا تتنهى

*****************
ملاحظات عامه

حيرنى كثيرا اختيار الاسم...لما اسماها "الحرافيش"؟ فالحرافيش فى كل الاحوال مجرد "كورال" فى الخلفية..لا احد يهتم به حتى القارئ...عاشور الناجى و عائلته هم الاصل او هكذا يوحى اليك طيله العمل...لكنك ما ان تغلق الكتاب ترى الاسم شامخا فى تحدى "الحرافيش" ليس الناجى او عاشور او سيرة فلان...فقط الحرافيش...و كأنه يخبرك بانهم المشكلة و الحل
___________
البطل الحقيقى بلا مواربه فى الروايه او الملحمة ان قبلت التسمية هو بلا نزاع: الزمن, تراه بطيئا حينا كحالنا مع عاشور فلا تكاد تشعر به...مستمر بلا انقطاع او راحه لكن شعورك بوجوده هو الاصل, ما ان
ترى شاب يافع حتى تراه بعد صفحات قليله الى كهل اب او عم لشاب اخر
___________
لا يضايقك محفوظ كثيرا بموت احدهم الا اذا ذهب شابا ك"قرة" و "زهيره" و "جلال" ليكون عنصر المفأجاه هو الاصل...لكن فى معظم الحالات مرورا بعشرات الزوجات و الاخوه و الحموات يموتون من الشيخوخه بشكل عابر و عادة وسط ذروه احداث القصة التاليه فلا تشعر بغيابهم اصلا
___________
دائما شيخ الجامع...و صاحب الخمارة...الفتوة...تتغير الاسماء و تبقى الصفه الى الابد بلا انقطاع,تماما

مثل صوت التكية ليس مفهوم ولا غائب...متواجد دائما
___________
ترى بام عينك ما تحكى به الجدات دائما...كل فرد من العائله -على الرغم من تفرده- ما هو الا نسخه لفرد سابق لم يلتقيا قط...لمنها يسلكان نفس المسلك و ربما يتشاركا نفس الاسم او البنيان...نموذجين واضحين فى البنيه نموذج عاشور بجسم ممتلئ عريض...و نموذج شمس الدين شاب اميل الى النحالة سريع و بهى الطلعة...تراهم يتبالادن بلا هوادة طيله صفحات الحرافيش
___________
يقدم لك نجيب محفوظ الانسان فى عدة لقطات محددة...الولادة...لمحة من الطفولة عاده الشارع او الكتاب...الشباب و القوه...الحب الاول لمحات شاب لفتاة فى السوق تلهب قلب اخضر برئ...الزواج...و
عاده الكارثه الجديدة التى تفسد حياه البطل ما تتواجد فى تلك المرحلة...و دون ان يشعر لا هو و لا انت يصير كهلا...و تجد ذاتك منغمس بالكامل فى حياه طفل جديد...فيموت الاول فى هدوء بينما تتابع بشغف
التالى من القصة
___________
هل نحن البشر بتلك البساطة؟؟..هل بالفعل يمكن تلخيص الالف التفاصيل فى عدد مشاهد محدد...فكرة تدفع الى الاكتئاب.....الى قراءة ثالثة بعد عشر سنوات من الان ان بقى فى العمر بقية

دينا نبيل






الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

السيناريست


على مدار 30 فيلما حملت ثلاثة أعمال فقط قصته بالإضافة إلى السيناريو وهي درب المهابيل والوحش وفتوات الحسنية والباقي 27 فيلما أعد لأغلبها السيناريو عن روايات وأفكار غيره أو ساهم في إعداد القصة السينمائية

فيلمو جرافيا أفلام نجيب محفوظ
كسينارست أو كصاحب الإعداد السينمائى للقصة

(1) كتابة سيناريو بالاشتراك مع آخرين:
    
-    المنتقم  (السيناريو مع صلاح ابو سيف) 1947م
-    مغامرات عنتر وعبلة (السيناريو مع صلاح ابو سيف) 1948
-    لك يوم يا ظالم  (السيناريو مع صلاح ابو سيف) 1951
-    ريا وسكينة (السيناريو مع صلاح ابو سيف) 1953
-    الوحش (قصة والسيناريو مع صلاح ابو سيف) 1954
-    جعلونى مجرما (السيناريو مع سيد بدير) 1954
-    فتوات الحسنية (قصة والسيناريو بالاشتراك مع نيازى مصطفى) 1954
-    درب المهابيل (قصة والسيناريو بالاشتراك مع توفيق صالح) 1955
-    النمرود (السيناريو بالاشتراك مع السيد بدير ومحمود صبحى) 1956
-      الفتوه (السيناريو بالاشتراك مع صلاح ابو سيف ومحمود صبحى) 1957
-      مجرم فى أجازة (السيناريو مع كامل التلمسانى) 1958
-      الهاربة (السيناريو مع حسن رمزى) 1958
-      جميلة بوحريد (السيناريو على الزرقانى وعبد الرحمن الشرقاوى) 1959
-      المجرم (السيناريو مع صلاح ابو سيف) 1978

(2)  كتابة سيناريو بمفرده:
-    الطريق المسدود 1958
-    أنا حره     1959
 -    الله أكبر 1959
-    أحنا التلامذه 1959

(3)  إعداد القصة السينمائية:
-    بين السماء والأرض  1959
-    الناصر صلاح الدين 1963
-    ثمن الحرية  1964
-    بئر الحرمان  1969
-    دلال المصرية 1970
-    الاختيار 1971
-    الخيط الرفيع 1971
-    امبراطورية ميم 1972
-    ذات الوجهين 1973
-    حب تحت المطر 1975
-       توحيدة 1976
-          وكالة البلح 1982
-          الخادمة 1984

طارق رمضان

الثلاثاء، 1 أكتوبر 2013

علاقة نجيب محفوظ بالسياسية


        بدأت علاقة نجيب محفوظ بالحياة السياسية منذ نعومة أظافره، فقد تأثر بميول والده الوفدية، ورث عنه عشقه لسعد زغلول، كما ازكي هذه الروح الوطنية لديه مدرسوه الذين كانوا يشجعونه هو وغيره من الطلاب علي الخروج في مظاهرات للمطالبة باستقلال مصر، لذا حرص نجيب محفوظ علي الاشتراك في جميع المظاهرات التي قامت في تلك الفترة، راصدا أحداثها في روايته الشهيرة "الثلاثية" وبخلاف اشتراكه في المظاهرات كان نجيب محفوظ عزوفا عن إقامة أي علاقة مع المسئولين السياسيين،أو الاشتراك في أي حزب سياسي، إلا أنه استخدم رواياته في نقد الواقع الاجتماعي والسياسي الذي عاشته مصر في هذه المرحلة ففي رواية "القاهرة الجديدة" انتقد فيها فساد الطبقة السياسية الحاكمة وإهمال القضايا الاجتماعية لصالح السياسية.
        أما عن موقفه من ثورة يوليو، فقد كان نجيب مناصرا لها في البداية، خاصة أن عددا كبيرا من الضباط الذين قاموا بالثورة أمثال عبد الحكيم عامر، جمال سالم، وعبد اللطيف البغدادي، كانوا يرتادون مقهي "عرابي" بالعباسية وهو المكان الذي اعتاد نجيب محفوظ السهر به، فنشأ بينهم وبين نجيب وشلة المقهى نوع من الصداقة، لكنه اخذ عليهم غياب الديمقراطية، وتعطيل الحياة الحزبية في مصر، بالإضافة إلي فردية الحكم وعسكرته، ففكرة الزعيم الذي لا يخطئ كانت هي السائدة في تلك المرحلة.
        لذا اخذ نجيب محفوظ ينتقد زعماء هذه الثورة، فمن خلال كتابة "أمام العرش" حاكم نجيب محفوظ حكام مصر بداية من مينا موحد القطرين إلي أنور السادات، فها هو «أوزوريس»، رب العالم السفلى ورئيس المحكمة الأخروية، يحاكم هؤلاء الحكام، يدخر محفوظ بعضا من ألذع نقده لعبد الناصر، وإن كان يسبغ عليه أيضا من آيات الحمد والثناء الشيء الكثير. فنرى رمسيس الثاني، أعظم فراعين مصر قاطبة يقرن عبد الناصر بذاته في العظيمة فيقول له: «كلانا يشعّ عظمة تملأ الوطن وتتجاوز الحدود». ولكنه أيضا يقرنه بذاته فيما هو ليس من العظمة في شيء فيقول «...وكلانا لم يقنع بأعماله المجيدة الخالدة، فأغار على أعمال الآخرين ممن سبقوه»، وهو اعتراف من رمسيس الثاني بما صنع من محو أسماء سابقيه من على المعابد والمسلات ووضع اسمه محلها. وهو أيضا تعريض بما كان في عهد عبد الناصر من إغفال حق ثورة 1919 وزعامة سعد زغلول وكفاح حزب الوفد من بعده برئاسة مصطفى النحّاس. هذا طبعا إلى جانب إغفال الحق التاريخي لمحمد على في تأسيس مصر الحديثة.
        ويستمر الفراعين القدامى في توبيخ الفرعون الجديد فيقول له تحتمس الثالث: «على الرغم من نشأتك العسكرية فقد أثبتّ قدرة فائقة في كثير من المجالات إلا العسكرية منها...» وهذه طبعا إشارة واضحة للهزائم العسكرية العديدة في عهد عبد الناصر سواء في حرب السويس أو حرب 1967 أو الفشل في مواجهة الانقلاب السوري سنة 1961 أو الخسائر الفادحة في حرب اليمن.
ولا نملك هنا إلا أن نشعر بنبضات قلب محفوظ في هذه الكلمات، بالمرارة التي يستشعرها كاتب وطني كان يأمل الكثير في ثورة 52 لكن أمله خاب، ومرارة المثقف الليبرالي الذي عاصر خنق الحرية بيد من كان يأمل فيهم خلاصها. ومن هنا نلمس تردد أوزوريس قاضى الآخرة قبل تزكية عبد الناصر للانضمام للخالدين فيقول «...قليلون من قدّموا لبلادهم مثلما قدمت من خدمات، وقليلون من أنزلوا بها مثلما أنزلت من إساءات..».

صفاء سيد

ببليوجرافيا نجيب محفوظ

في عالم نجيب محفوظ الرحب الواسع تفاصيل كثيرة وحكايا لا تنتهي، لذلك يبدو من الصعب أن تحتوي هذه الصفحات القليلة كل ذلك، فضلًا عن كونه الأديب العربي الأشهر، فهو الوحيد الحائز على نوبل، وهو الشخصية التي تلقَّفت سيرتها الثرية وأعمالها الخصبة مئات من الكتب والدراسات والأعمال الإبداعية على اختلاف أشكالها ودرجاتها ولغاتها أيضًا. فقد بدأ صاحب نوبل رحلته الأدبية بكتابة القصة القصيرة في عام 1936، ثم اتجه إلى الرواية التاريخية حيث نشر رواياته الأولى عن التاريخ الفرعوني، ثم الرواية الاجتماعية، فتنوعت أعماله، وكان يستمد موضوعاته من أكثر من مصدر، بين تجارب ذاتية أو خبرات إنسانية عامة.
ثم انتقل نجيب محفوظ إلى كتابة الروايات ذات المضمون الواقعي التي تعالج هموم وفكر والمجتمع المصري، فنقل في أعماله حياة الطبقة المتوسطة في أحياء القاهرة معبرًا عن همومها وأحلامها، وعكس قلقها وتوجساتها حيال القضايا المصيرية. كما صوَّر حياة الأسرة المصرية في علاقاتها الداخلية وامتداد هذه العلاقات في المجتمع، غير أن هذه الأعمال التي اتسمت بالواقعية الحية لم تلبث أن اتخذت طابعًا فلسفيًّا رمزيًّا كما في رواياته "أولاد حارتنا" و "الحرافيش" و "رحلة ابن فطومة". وقد صدر لنجيب محفوظ ما يزيد على الخمسين مؤلفًا من الروايات والمجموعات القصصية. وتُرجمت معظم أعماله إلي 33 لغة في العالم.
لذا كان من الطبيعي أن يحظى محفوظ ككاتب له خصوصيته بعدد هائل من الدراسات النقدية، والبحوث الأكاديمية، والمقالات، والاهتمام الإعلامي فى مصر والعالم العربي، بل تطرق هذا الانتشار إلى كثير من المنابر الأدبية خارج العالم العربي، حيث احتفى به كثير من المستشرقين بدراسات وبحوث ضافية لعلمهم بأهمية إبداعه الذي يضاهي –بل يتفوق أيضًا- على الإبداع العالمي شرقه وغربه.
ويأتي هذا العمل الببليوجرافي (البانورامي) ليكون حلقة في تلك السلسلة المتصلة بلا انقطاع، مجسِّدة الرحلة الإبداعية المحفوظية الطويلة التي بدأت مع ظهور أول أعماله الأدبية إلى أن رحل في 30 أغسطس 2006 عن عمر يناهز خمسة وتسعين عامًا، عاشها أديبًا وكاتبًا وسينمائيًّا وإنسانًا يجمع داخله حب الناس وحب الإنسانية وحب الحياة وحب الموت أيضًا كما قال في أحد حواراته وشهاداته الشهيرة.
وقد قام على إنجاز هذا الجهد الكبير الناقد الأستاذ شوقي بدر يوسف، وهو من النقاد الجادين الذين يعملون في صمت ودأب وإخلاص، وهو من أحرص النقاد على متابعة ما تصدره المطابع في مجالات الإبداع المختلفة بالتركيز على النقد التطبيقي. إضافة الي دوره المهم في إثراء الحياة الثقافية بالإسهامات التي يكاد ينفرد بها، وهي الأعمال الببليوجرافية التحليلية النقدية للإبداع الأدبي والمبدعين. وله من المساهمات الفاعلة في حركة النقد العربية والمحلية الشيء الكثير، فقد صدر له العديد من الكتب النقدية منها : ضياء الشرقاوي وعالمه القصصي - رحلة الرواية عند محمد جلال - الرواية في أدب سعد مكاوي - ببليوجرافيا الرواية في إقليم غرب ووسط الدلتا - تطور القصة القصيرة في الإسكندرية - متاهات السرد : دراسات تطبيقية في الرواية والقصة القصيرة - الرواية والروائيون.. وغيرها كثير.
أما النشر فقد تولاه المجلس الأعلى للثقافة، وهو واحد من المؤسسات الكبرى -الحكومية غير الربحية- المعنية بالثقافة والفنون والآداب في مصر والعالم العربي، ويعد النشر من أنشطته الهامة والمحورية، حيث تصدر عنه مجموعة كبيرة من السلاسل مثل : أبحاث المؤتمرات – روائع الأدب العربي – رواد الفن القصصي – الكتاب الأول.. وغيرها، فضلًا عن تبنيه لواحد من أكبر المشروعات الثقافية في مصر وهو "المشروع القومي للترجمة". وقد خصص المجلس الأعلى للثقافة عام 2011 ليكون "عام نجيب محفوظ"، وتحت هذه المظلة نُشر هذا العمل الببليوجرافي الضخم.
وعودةً إلى العمل الذي بين أيدينا ؛ فقد تضمًّن حصرًا بما ألَّفه نجيب محفوظ وما أُلف عنه وعن أعماله الإبداعية، على اختلاف أشكال وأنواع تلك المؤلفات –له وعنه- بين قصص قصيرة وروايات وأعمال سينمائية ومقالات وكتب وفصول من كتب ورسائل أكاديمية، ولم يغفل اللقاءات والحوارات والتحقيقات والملفات الصحفية كذلك، منذ أول عمل نُشر له أو عنه، حتى عام 2011.
وقد بدأت الببليوجرافية بمقدمة وافية تناولت أهمية العمل والهدف من إعداده وكيفية تنظيمه وترتيبه، والمصادر التي تم الاعتماد عليها، وغير ذلك من العناصر المنهجية التي تساعد المستفيد في التعامل مع القائمة بصورة أكثر وضوحًا وسهولة. ثم انتقل المؤلف إلى عرض السيرة الذاتية (البيوجرافيك) الخاصة بنجيب محفوظ، ملقيًا الضوء على أهم المراحل التي مرَّ بها والمحطات الفارقة والمحورية والمؤثرة في تاريخه، منذ مولده عام 1911، حتى وفاته عام 2006.
أما الجسم الرئيس للعمل، فقد جاء مقسَّمًا تقسيمًا مركبًا على مستويات عدة ؛ وكانت البداية بثمانية أقسام تعكس الأنماط الإبداعية المختلفة عند نجيب محفوظ، وقد أتت على هذا النسق:
1.                مؤلفاته وما كُتب بشأنها من دراسات.

2.                الدراسات الأكاديمية.
3.                الكتب التي تناولت أعماله.
4.                الدوريات التي تناولت أعماله.
5.                ببليوجرافيا الرحيل
6.                الحوارات واللقاءات
7.                القصة القصيرة
8.     السينما
وفيما يأتي تفصيل ذلك:
أولًا: مؤلفاته وما كُتب بشأنها من دراسات:

        وقد عُني هذا القسم برصد العالم الروائي لنجيب محفوظ باعتباره المحور الأكثر أهمية بالنسبة له، وتم ذلك من خلال التعامل مع كل رواية كوحدة مستقلة بذاتها. حيث قام بترتيب الروايات زمنيًّا من الأقدم إلى الأحدث، ويتم العرض الببليوجرافي لكل رواية على النحو التالي:


  (1)     عرض عنوان الرواية وبعض البيانات الأساسية كالناشر ومكان النشر وتاريخ النشر، وما إذا كان قد سبق نشرها مسلسلة في إحدى الدوريات أو الصحف أم لا.
       (2)     اقتطاع جزء مهم من الرواية وتقديمه، وقد تم اختيار مقطع مما يمكن اعتباره نقطة فارقة تبرز مضمون الرواية وتوجهها وهويتها.
       (3)     حصر الكتب أو الأجزاء المستقلة من الكتب (الفصول) التي تناولت هذه الرواية بالعرض أو النقد أو التحليل.
        (4)             حصر مقالات الدوريات التي تناولت هذه الرواية بالعرض أو النقد أو التحليل.
      (5)عرض جزء مهم من إحدى المقالات النقدية عن الرواية لأحد الكُتاب والنقاد البارزين.
       وقد رُتبت الأعمال في الأجزاء الحصرية ترتيبًا زمنيًّا، حيث بدأ بالدراسات والمقالات الأقدم فالأحدث. وتم تكرار هذا العرض الببليوجرافي الشامل مع كل عمل روائي على حدة، وكان مجموع الأعمال الروائية أربعة وثلاثين، باستثناء كتابي "أمام العرش" الذي يعتبره بعض النقاد عملًا روائيًّا، ويعتبره البعض الآخر رؤية محفوظية لمحكامات حكام مصر منذ الملك مينا حتى السادات، وكذلك كتاب "أصداء السيرة الذاتية" الذي يعد عملًا أقرب إلى السيرة الذاتية تداخلت فيه أصوات الذكريات مع بعض المدونات الخاصة التي يعبر من خلالها عن واقعه الذاتي الخاص والعائلي.
ثانيًا: الدراسات الأكاديمية.
        وفي هذا القسم كان هناك حصر شامل لدراسات الماجستير والدكتوراه التي أعدت في جامعات مصر عن محفوظ وإبداعه على تنوُّع أشكاله، وبلغ عددها اثنين وأربعين. وكان الترتيب المعتمد هنا هو الترتيب الزمني من الأقدم فالأحدث، وهو النسق التنظيمي المتبع في هذا العمل بصفة عامة عبر أقسامه المختلفة.

ثالثًا: الكتب التي تناولت أعماله.
        وفي هذا القسم كان الحصر الببليوجرافي للكتب التي تعرضت لنجيب محفوظ وإبداعه بصفة عامة، سواء ما يتعلق بشخصه وتكوينه الأدبي والإبداعي، والعناصر الفنية لأعماله ومعاركه الأدبية وغير ذلك. وكان الترتيب المتبع هنا أيضًا ترتيبًا زمنيًّا. وبلغ عدد الكتب التي تم تجميعها في هذا القسم 121 كتابًا.

رابعًا: الدوريات التي تناولت أعماله.

        خُصص هذا القسم لحصر مقالات الدوريات التي كُتبت عن محفوظ على المستويين الشخصي والأدبي، سواء تلك منشورة ورقيًّا في الدوريات المطبوعة أو إلكترونيًّا عبر مواقع الإنترنت. وتم العرض هنا على قسمين أيضًا:
الأول: المقالات التي كُتبت عنه قبل حصوله على جائزة نوبل.
                الثاني: المقالات التي كُتبت عنه بعد حصوله على جائزة نوبل.

     خامسًا: ببليوجرافيا الرحيل.
        وفي هذا القسم تم حصر المداخلات والمقالات والملفات والأعداد الخاصة والتذكارية التي صدرت عن محفوظ بعد وفاته مباشرة في 30 أغسطس 2006، حيث أفردت معظم الصحف والمجلات المصرية والعربية أيضًا -كالأهرام وأخبار الأدب والقاهرة ووجهات نظر وأدب ونقد والثقافة الجديدة والهلال والمحيط الثقافي والدستور الأردنية ودبي الثقافية وأخبار الخليج، وغيرها- ملفات وأعدادًا تذكارية احتفت بنجيب محفوظ وإبداعه وحياته وأثره على الأدب العربي. وتم حصر بعض المقالات المنشورة في بعض مواقع الويب.
     سادسًا: الحوارات واللقاءات.
        حصر هذا القسم اللقاءات والحوارات والتحقيقات الصحفية التي أجريت معه في مختلف الصحف والمجلات المصرية والعربية، وتم تقسيمها إلى قسمين أيضًا كما حدث مع الدوريات:

الأول: الحوارات واللقاءات التي أُجريت معه قبل حصوله على جائزة نوبل.
               الثاني: الحوارات واللقاءات التي أُجريت معه بعد حصوله على جائزة نوبل.

   سابعًا: القصة القصيرة.
        تعد القصة القصيرة هي المحور الثاني في الأهمية في عالم نجيب محفوظ، لذا أُفرد لها قسم وافٍ من هذا العمل، حيث تم حصر ما نُشر لمحفوظ في الدوريات المختلفة، بدءًا من أول قصة نُشرت له بمجلة السياسة عام 1932. أما المجموعات القصصية التي صدرت له –وبلغ عددها 18 مجموعة- فقد تم التعامل معها بالطريقة نفسها التي تمت مع الأعمال الروائية في القسم الأول مع إضافات بسيطة:

(1)             عرض عنوان المجموعة القصصية وبعض البيانات الأساسية كالناشر ومكان النشر وتاريخ النشر.
(2)             عرض قائمة محتويات المجموعة القصصية.
(3)             اختيار قصة من المجموعة تعبر عن توجه المجموعة القصصية وهُويتها.
(4)     حصر الكتب أو الأجزاء المستقلة من الكتب (الفصول) التي تناولت هذه المجموعة بالعرض أو النقد أو التحليل.
(5)             حصر مقالات الدوريات التي تناولت هذه المجموعة القصصية بالعرض أو النقد أو التحليل.
(6) عرض جزء مهم من إحدى المقالات النقدية التي تناولت المجموعة القصصية لأحد الكُتاب والنقاد البارزين.  
ثامنًا: السينما.
        في هذا القسم تم تقديم قائمة أطلق عليها المُعد اسم "فيلموجرافيا"، حصر فيها جميع السيناريوهات التي قام بإعدادها محفوظ خلال حياته، وكذلك الروايات والقصص التي تحوَّلت إلى أفلام، كل ذلك في ترتيب زمني حسب تاريخ عرض الأفلام، بدءًا بسيناريو فيلم "المنتقم" الذي أخرجه صلاح أبو سيف وعُرض عام 1947، وانتهاءًا بفيلم "أصدقاء الشيطان" المأخوذ عن رواية الحرافيش للمخرج أحمد ياسين وعُرض عام 1988 وهو العام الذي فاز فيه محفوظ بنوبل، وقد بلغ عددها 61 فيلمًا. كما تم حصر الكتب التي صدرت عن سينما نجيب محفوظ من كافة جوانبها، وكذلك الدراسات والمقالات التي نُشرت في الدوريات أو كفصول داخل كتب، وتم ترتيبها ترتيبًا زمنيًّا أيضًا.

وقد أشار المعدّ في مقدمته إلى اعتماده على بعض الجهود الببليوجرافية التي سبق إنجازها، منها على سبيل المثال الببليوجرافيات التي قامت على إعدادها وإصدارها دار الكتب والوثائق القومية بعنوان "نجيب محفوظ في المرآة"، و"نجيب محفوظ: ببليوجرافية بأعماله المنشورة في الدوريات" وهما جهدان كبيران* لكنهما يركزان بشكل أساس على الحصر والتجميع، أما هذا العمل فهو يركز على الجانب التاريخي والتحليلي والنقدي، حيث تم إعداده ليكون حصرًا (ناطقًا) بإبداعات نجيب محفوظ ورؤاه ونقاده ومريديه.
أما عن المعلومات التي تُقدم عن كل عمل من الأعمال التي تم حصرها فقد اختلفت باختلاف طبيعة المادة، كما يأتي:

 -       الأعمال الروائية لمحفوظ:
(عنوان الرواية – مكان النشر – الناشر – سنة النشر – هل نُشرت الرواية مسلسلة في إحدى الدوريات أو الصحف أم لا؟).
 -        المجموعات القصصية لمحفوظ:
(العنوان – مكان النشر – الناشر – سنة النشر)، بالإضافة إلى قائمة بمحتويات المجموعة.
-          الكتب:
(العنوان – المؤلف – بيانات النشر)، بالإضافة إلى عرض لمحتويات كل كتاب طبقًا لتوجهه النقدي والبحثي والتاريخي.
 -          فصول الكتب:
(عنوان الفصل – عنوان الكتاب الذي تضمَّن هذا الفصل – بيانات الكتاب نفسه من عنوان ومؤلف وبيانات نشر).
 -          الدراسات الأكاديمية (الماجستير والدكتوراه):
(عنوان الرسالة – الباحث – المشرف – الجامعة والكلية – سنة الإجازة).
 -           مقالات الدوريات:
(عنوان المقالة – المؤلف – عنوان الدورية أو موقع الإنترنت إن كانت منشورة إلكترونيًّا – مكان النشر – العدد – السنة – رقم الصفحة والعناصر الأخيرة خاصة بالمقالات المطبوعة).
 -           الأفلام السينمائية:
(عنوان الفيلم – سنة العرض – ما إذا كان الفيلم مأخوذًا عن رواية لمحفوظ أم قصة قصيرة، أو ما إذا كان محفوظ هو كاتب السيناريو أم السيناريو والحوار معًا، أم كان مشاركًا في كتابتهما – المخرج).
وقد سبقت الإشارة إلى أنه يقدم جزءًا صغيرًا من كل رواية، وقصة كاملة من كل مجموعة بما يعكس الرؤية العامة للعمل وتوجهه،  فضلًا عن المقتطعات من المقالات النقدية المهمة التي يقدمها عن كل عمل روائي أو قصصي.
وقد أُخرجت هذه الببليوجرافية في مجلدين جيدي الطباعة والتجليد، وكان الجزء الأول أكثر ضخامة حيث بلغت صفحاته 934 صفحة، فقد احتوى هذا الجزء على أربعة أقسام من الثمانية التي تم التعرض لها سابقًا، لكن غزارة الجانب الروائي هو ما أدى إلى تضخمه بهذه الصورة. أما الجزء الثاني فقد احتوى على الأقسام الأربعة التالية، لكنه كان أقل حجمًا إذ بلغت صفحاته 363 صفحة. وجاءت الصفحة على عامود واحد ومُيزت عناوين الأقسام وعناوين الروايات والمجموعات القصصية وغيرها من المداخل الرئيسة بأبناط أثقل وأكبر حجمًا، وتميز الخط والإخراج المادي عمومًا بالجودة والوضوح.
إلى هنا ينتهي العرض المنهجي لهذه الببليوجرافية الضخمة التي توفر على إعدادها واحد من خيرة النقاد والباحثين في الحقل الأدبي، واتضح من خلال هذا العرض حجم الجهد الذي بُذل ليخرج العمل على هذه الصورة الراقية. فقد غطت الببليوجرافية كل ما يتعلق بنجيب محفوظ سواء ما كتبه أو ما كُتب عنه على اختلاف أشكاله وأنماطه، من المقالات والدراسات النقدية التي نُشرت في الكتب أو الدوريات عن عالمه الأدبي والإبداعي والسينمائي، إلى رسائل الماجستير والدكتوراه، مرورًا بالحوارات واللقاءات والتحقيقات الصحفية التي تمت معه أو نُشرت احتفاءً به في ذكرى رحيله أو غيرها من المناسبات، وانتهاءً بالأعمال السينمائية وسيناريوهات الأفلام التي أعدها أو ساهم في إعدادها.

وتم اتباع أسلوب الترتيب الزمني في عرض كل تلك الأعمال على اختلافها، مع تقديم مقتطفات ومقتطعات من أعماله الروائية والقصصية، وكذلك من الأعمال النقدية التي تناولت عالم محفوظ وإبداعه. وقد ساعد هذا العرض الببليوجرافي التاريخي التحليلي النقدي على الإلمام بمعالم التطور التي طرأت على العالم الإبداعي لمحفوظ من كافة وجوهه، وتلمُّس الجهد الضخم الذي بذله الكاتب طوال عمره الأدبي، والجهد الموازي له من الدراسات والبحوث التي تناولت هذا الإبداع وتعرضت له بأشكال مختلفة. كذلك يمكن من خلال هذا النسق الببليوجرافي المتميز وضع اليد على أسباب الجدل والخلاف الذي ثار حول الكثير من إبداعاته الروائية ؛ من خلال الاطلاع على هذا الكم الكبير من العناوين المجموعة في مكان واحد، والتي تعكس كافة أشكال الصياغة والأنساق والقضايا التي أثيرت حول الأديب الكبير وعالمه.
وكان هناك حرص على أن تكون البيانات أكمل ما يكون، إلا فيما قلَّ، كما اتسم عرض المعلومات بقدر كبير من التوحيد في النسق والترتيب رغم أن المسئول عن العمل لم يعتمد على أية قواعد مقننة للوصف الببليوجرافي ؛ ربما لأنه ليس متخصصًا في حقل الببليوجرافيا، لكن ذلك لا يقلل أبدًا من قيمة المادة المرجعية التي تمتعت بكثير من الدقة والاكتمال والتوحيد.
واتسم العمل أيضًا بمقدمة منهجية وافية لم تترك شاردة ولا واردة حول الببليوجرافية وتنظيمها وملامحها إلا وتعرضت لها بالشرح والتوضيح، فضلًا عن السيرة الذاتية التي عرضت لأهم ملامح حياة نجيب محفوظ والمحطات التاريخية المؤثرة فيها. لكن العمل افتقر إلى قائمة محتويات كان في مسيس الحاجة إليها نظرًا لتشعب طريقة تنظيمه وضخامته، وكان من المفيد أن تُرقَّم التسجيلات لتيسير الإحصاء وتحديد الملامح الكمية للعمل.
لذلك كله فإن هذه الببليوجرافية تعد بمثابة هدية غالية لقطاع عريض من المستفيدين الذين تتنوع فئاتهم بين قارئ عادي ومثقف عام أو عاشق لأدب نجيب محفوظ وإبداعاته، وبين متخصص في دراسات الأدب العربي والتاريخ، وتحديدًا أولئك الذين يتوفرون على إعداد الدراسات والبحوث العلمية الرصينة، والرسائل الأكاديمية، التي ستكون هذه القائمة عونًا حقيقيًّا للقائمين بها. ولتعميم الفائدة فإنه يجدر اقتناؤها في مختلف المكتبات ومراكز المعلومات، وليس أهم من تواجدها بمكتبات كليات الآداب والتربية واللغات، ومكتبات المراكز العلمية والمعاهد المتخصصة في الدراسات الأدبية والنقدية واللغوية، فضلًا عن المكتبات العامة بوصفها تخدم قطاعًا واسعًا من المستفيدين مختلفي التخصصات والتوجهات. وليس أفضل من تحويلها إلى الشكل الإلكتروني لتتاح عبر الويب وتصل إلى قاعدة جماهيرية أكثر اتساعًا.
وأخيرًا فإنه لا يسعُ المتفحص في هذا الجهد والمتأمل له إلا أن يقف بإعجاب وعَجَب شديدين ليتساءل عن عدد السنوات التي قضاها ذلك الناقد المجيد الأستاذ شوقي بدر يوسف في إعداد هذا العمل البانورامي التحليلي الهائل -حجمًا ومحتوى- في صمت وصبر وأناة وطول بال، مُنفقًا من جهده وماله وصحته في التجميع والحصر والتتبع التاريخي والتناول النقدي، ليُخرج لنا في النهاية عملًا قيِّمًا قد تعجز المؤسسات بكل إمكانياتها المادية والبشرية عن إتمامه على هذه الصورة. ومن المؤكد أن هذا الرجل المنكر لذاته قد وهب نفسه لهذا الطريق وضحى في سبيله بالكثير. وأراه يستحق أن يُعرَّف بجهوده ويُحتفى بها ويكرَّم عليها، فهو أقل شيء يمكن تقديمه لمن عشق مجال عمله وأفنى فيه ذاته على هذا النحو، وقليلٌ ما هم.

إيناس عباس

* دار الكتب والوثائق القومية. مركز الخدمات الببليوجرافية والحساب العلمي. نجيب محفوظ في المرآة: ببليوجرافية عن صاحب جائزة نوبل/ مركز الخدمات الببليوجرافية والحساب العلمي.- القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2003.- 87، 103ص. وقد نُشر عرض وتقييم لهذا العمل في: "الفهرست"/ إعداد إيناس عباس توفيق خضر.- س3 ع12 (أكتوبر 2005).
و: دار الكتب والوثائق القومية. مركز الخدمات الببليوجرافية والحساب العلمي. نجيب محفوظ: ببليوجرافية بأعماله المنشورة في الدوريات/ مركز الخدمات الببليوجرافية والحساب العلمي.- القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2009.- 187ص. وقد نُشر عرض وتقييم لهذا العمل في: "الفهرست"/ إعداد سامية حسين فهمي.- ع 29 (يناير 2010).