‏إظهار الرسائل ذات التسميات هدى أبو النجا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هدى أبو النجا. إظهار كافة الرسائل

السبت، 22 مارس 2014

القصة الفائزة بالمركز الخامس في مسابقة مغامير للقصة القصيرة (الدورة الثانية)

الوجه السابع للمكعب

ـ1ـ
جلست ترتشف بعض الماء بعد تأديتها لرقصتها في التدريبات العنيفة التي لا يتخللها هوادة؛ فالعرض لا يفصلها عنه إلا أياما معدودة، وهى تحاول جاهدة الظهور بالمظهر اللائق  المتناسب مع راقصة باليه من طراز فريد تتصدر صورتها لافتات وكتيبات العرض. فاجآها الساعي بصندوق ضخم ثقيل نوعا ما تزينه شرائط ستان من اللون الوردى المحبب إليها، وكيف لا تحبه وهو لون وجنتيها! لمعت عيناها وهى تقرأ كلمات البطاقة المرفق :-  مولاتي : سعادتنا الحقيقية ستبدأ من هذا الصندوق.
انزوت عن الجميع. أخذت الصندوق بين ذراعيها، ووعدت المخرج بعدم التأخر، وبأنها ستكون متواجدة وفى كامل تركيزها في ميعادها المحدد للبروفة. وذهبت لغرفتها تحمل صندوق الغموض والسعادة – كما تخيلت أو كما قال – متخيلة كمّا كبيرًا من الهدايا من كثرتها ظنت ألا يحوى سعادتها مجرد ستة أوجه من الكرتون . اكتسبت كثيرا من الرزانة بحكم مهنة، ومع ذلك لم تفلح فى كبح فضول ما يحتويه صندوق. تسللت أصابعها الدقيقة بين الخيوط الرفيعة اللامعة الناعمة ليفصح الغلاف عما بداخله.....
 لطرقات مساعد المخرج على باب حجرتها وكزة واقعية تفيقها من سكونها المستمر لدقائق مع دمعة متحجرة . تغلق الباب فى إحكام كى تحجم الأشعة الخارجة من الصندوق من التسلل خارج الغرفة، ومع الزفير أخرجت كل ما علق بذرات فكرها وجسدها من ضوء لتعود كما كانت. رفعت جبهتها عاليًا تنظر لحلمها تاركة أحلام الآخرين في صندوق حزين .
ـ2 ـ
" أسكن بيوت الفرح آآآآآآآه  ......" يذهب بسهم الفأرة لعلامة (X) ويغلق صفحة الأغنية التى فأجأته على إذاعته المفضله. انغمر قليلا في العمل كي ينسى تردد الأغنية في رأسه، وحسم الأمر لصالح الذكريات بعد أن وأدت محاولات فراره بفيديوهات عقلية متتابعة .
كتب فى ورقة مهامه الصغيرة بجواره أشياءً من الذاكرة ، أخرج في تعاريج الحروف أشجانه، فأخذ يزخرف الحروف. لم يمسك القلم منذ زمن، اشتاقت يداه لمذكرات الماضى والمسجل والأجندات القديمة التي يحولها لصفحات من الجنون والأمنيات الجميلة. تلاشت قيمة الحروف ماديًا أمام العمل في الأرقام . نظر لحاسوبه في حسرة ، وتذكر الأوتجراف الأحمر الذي صنعه من ورق الجرائد الفارغ وذهب لمطبعة والد صديقه لتشذيبها وأختار لونا أحمر لها، بسببه كانت مزحة الدفعة للون البناتي هذا متحديُا لهم بأنه لون سيصمد أمام الزمن ببهاءه وبما سيكتبه كل واحد من أصدقائه وزملائه عن الطموح والغد والحلم والحب ورقم الهاتف وكلمة كتبها له. رفع رأسه ناحية الباب مع دخول زوجته لغرفة النوم توجه لها قائلا :
-       حبيبتي، هل تتذكرين أين أجد صندوق كتاباتي القديم ؟
جاوبته بعينين ضيقتين من غرابة السؤال : حبيبتى !
فرك أنفه المحمرة مع أبتسامة رشيقة محدثا عينيها الناعستين من فرط تعب يوم ثقيل : أريد أن أستعيد ذكريات حبنا ، هل تمانعين ؟
أغمضت عينيها تماما في استسلام للنوم قائلة : في شقة مصر القديمة .
-       حسنا .. أين المفاتيح ؟ أريد الذهاب الآن.
= ستقود خمسة وعشرين كيلو ذهابا وإيابا من أجل صندوق ؟
-       سأعود في الصباح  لا داعي للقلق
 = أشارت بأسى للدرج المجاور قائلة الميدالية الحمراء .
طرق باب غرفة وحيده، خرج من باب منزله يضع ذراعه على كتف الشاب ممسكا في يده الأخرى مفتاح الصندوق
ـ 3 ـ
ينظر للآخرين في تعجب، ويظهر على ملامحه بعض الترقب. قاعدة الحذاء الجديدة مستقيمة بشدة فزاد من قوة نقرته على الأرض في قوة وتملل.
ماذا تريد هذه المرأة ؟ إنها تثرثر بشدة، أتعجب كيف تتكلم كل هذا الوقت وبهذا الصوت؟ إنها أكثر حيوية من أمى؛ فهي تتحرك كثيرًا مثلنا، ولكنها كالكبار في طوالهم، هى أضخم من أمى بل ومن أبي أيضا. سألتنا جميعًا عن الأسم، ولكنى أتحدى أنها مازالت تعرفه أو تعرف اسم هذه الشقراء ذات الطوق الأحمر التي يبدو عليها النعاس الآن، ووجنتيها وردية كأميرات أفلام الكرتون.
  ....أنصرف الجميع لا أعلم أين ذهبوا. تقترب مني الثرثارة
- لماذا لم تشاركنا اللعب ؟
لم يعجبني السؤال فأظهرت الامتعاض ممددا عضلات وجهي في سكون
-  أين طعامك ؟
أشرت لصندوقي
قالت في إبتسامة وهى تربت على ظهرى، الآن ميعاد الطعام، خذ صندوقك وتناوله وتعرف على زملائك
سبقت إبتسامتي خطواتى، وأنا أطير لذات الطوق الوردى قائلًا
= معي في صندوقي طعام جميل فراولة، وجزر، وجبن لذيذ
أجابت: لا بل طعامى أجمل، هوت دوج،  وشيبسي،  أعطتني بعضًا من طعامها، وشاركتها اللعب، تناولت الفرولة باستمتاع، وفي الطريق للحجرة وعدتها بأن صندوقي سيحتوي غدًا على مفاجأة. صاحت بإبتسامة رائعة وأنا أيضًا.

هدى أبو النجا


الخميس، 13 يونيو 2013

الارتجالة الثانية والثلاثون: النص ما بعد الأخير


الأثير 

خرجت وهى تتحمل برودة الجو بالكاد، وتتحمل غليان عقلها بالكاد أيًضا ..كانت جلستهما لحد ما قاتلة، ولكنها خرجت منها بسلام لحد ما ...
***
دخلت لغرفتها أضاءتها بخفوت شديد ..حاولت ألا توقظ الحياة بها .. أوصدت الباب بإحكام، وتجردت من ملابسها إلا قليلاً ..حاولت استنشاق الهواء داخل بقعة الضوء ..فتحت حقيبتها وأخرجت منها الروشتة والورقة الصغيرة التى كتبتها على عجالة ..قرأتها واستوعبت السطرين بدقة ثم كرورت الورقة وألقتها فى الظلام المحيط ..هل هو واجب أم تمرين أم جرعة للشفاء ورقية يتشدق بها الأطباء .... لا يهم 
بين دروب مكتبتها أخرجت ورقة رسم كبيرة ...قالت لنفسها فى استدراك 
- ليست دنيايَ كبيرة بهذه الحجم !!
فكرت فى استبدالها. تراجعت وقررت استهلاكها فى المهمة ..غاصت يدها فى تيه حقيبتها بحثاً عن قلمها الحبر الغالى المفضل....جمعت قواها وأعصابها .. تنفست بعمق ـ كما تعلمت ـ لتطرد غضبها وإحكام القبضة على الذات :
أولا : كتبت اسمها فى منتصف الورقة دخل دائرة ، وتفرعت منها أسهم عدة مختلفة الأشكال خطتها في حماس زائد ..وتوقفت فجأة عند محاولتها الأولى ..تخللت بيدها خصلات شعرها فى حدة، وتملكتها رعشة غضب وخوف وحِدة و أشياء كثيرة .صورت كاميرتها الذهنية صورا وفيديوهات بأصوات عالية لانهائية أجبرتها على القيام، والبعد عن دائرة المصباح الصغير .
في الظلام تحسست ذراعيها العاريتين .عادت في هدوء لجلستها ..استندت بمرفقيها على المكتب مدت يديها وهى مغمضة لعينيها من تداعي حنين ذكريات جارف. صرخت فى خفوت 
" اقترب"
صار تتابع الفيديوهات أقل حِدة وأهدأ إيقاعًا .. أفاقت من تهاويمها وهى تهرع لعلبة الألوان.. لم تخرج سوى الأزرق لها والأصفر له، وأخذت تفرغ المشاهد المتحركة أمامها بين الأسهم على لوحتها.. سمعت صراخها وموسيقاه، وضحكاتها وسيطرته، وأنينها وحبه، وفجأة تمكن السكون من الغرفة بأكملها.. نظرت من بعيد للوحة ..امتزج اللونان في تناغم وتعادلت البرودة والغليان المتجسدان فيها، ليبقى اسمها بارزًا في منتصف اللوحة : حياة

هدى أبو النجا