‏إظهار الرسائل ذات التسميات ريهام سعيد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ريهام سعيد. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 4 يناير 2012

الارتجالة التاسعة يونيو 2010: النص الثالث

"كانت هي...

كانت قطاف هذه التربة الشاسعة... قماشة الطين المطرز بالطَرح الملون... تلك التي طالما أغرتني بالقطاف وتركتني حبيس هواي...
أغرس ليقطف غيري، وحده الطين لي..

أغرقتُ عمري بالسماد الرطب، والتحفت برائحة الخَضار الذي ليس لي، لم يكن قطافي سواها"...
***
1-     مراوغة:
أُسقط الذراع الخشبي المسنن... بل أُغرقه... أُغرقه في مياه الأرض بعد أن حمّلـتُه همي...

أقلب به سكون بقعة الطين التي تملكني، والنهار الذي يملكني، والوحشة التي تملكني... وهي وحدها تأنف تملُّك كتلة الغبرة هذه خشية أن تلوث بياضها البض... تعافني...

ألهث...!
أنا لا أدعي الإعياء، برغم اعتيادي حركة الفأس، لازالت ضلوعي تتفتت... ولازال زغب الطين الملتصق بي يساعد كرة اللهب في السماء على حرقي...

أنا لا أدعي الإعياء... ولا أدعي النسيان... وأختبئ من قطافي في طيني...

2- شوق:
شريان مؤلم... يسري بالدماء وحده...
شريان مؤلم قد قتل إخوته... وانتظر غراب قابيل ليواري سوأته وسوأتي... ولا أحد!
الطين يأكلني...!
وأنا ألمح طرف جلبابها من بعيد..
الطين يقتلني..

3-     و... لا!
لوني ولون الطين يزهو... هذا المغيب البرتقالي يحاوطنا، وبرغم دعوى الدفء... لا بهجة!
هي تتزين لحفنة أخرى من الطين...
وأنا أغرسها هنا..
كانت قطافي...
وحدها كانت قطافي..
ريهام سعيد

الجمعة، 18 فبراير 2011

الارتجالة السابعة، إبريل 2010: لحية


لم أدَّعِ يومًا أنّي أكترث.. فليحترقوا جميعًا.. فليحترق الكون إن كان بهذا البَله.
لم أقل "سنطير"، لم أذكر حرف النون منذ عرضت الفكرة، أنا لا أتحدث بصيغة الجمع أبدًا؛ لأنّني أعلى شأنًا من ادعاء الفضيلة.
الهوس الذي أصاب الجميع كان في صالحي، تركتهم يغرقون في أهوائهم وإغواء الفكرة، حتى تبقى لي الوقت الكافي للاهتمام بلحيتي، أُطيلها، أحلم بها، وأستيقظ فزعًا على إثر كابوس لي بوجه حليق.
اكتملت الأسطورة، اكتملت ووقفت أرمقها بفخر، ذلك الشيء الذي يمكنه أن يُحَلّق بك بعيدًا فتمرّغ قدمك في الهواء وتبصق على الأقل شأنًا برضا تام.
راقبت المشهد، القرية تأكل بعضها أملاً في الفرح، وتتراشق بأفعال مفردة، ولا توجد نون.. ولا يجب أن توجد نون.. حتى أنّ بعضهم تراشق بما هو أكثر ونجح بالفعل في إضحاكي.
ليست لي حاجة أن أروي أنّني مَنْ حلّق في النهاية.
كنت أعلم أنّني لن أحلّق للأبد.. كان مكرًا قدريًّا أن تكون سقطتي بينهم..
أعينهم تأكل جسدي حيًّا، وسكونهم يوحي ببدايات هلاك.. تقبّلت المكر تمامًا..
بهدوء.. نهضت..
نظرت في أعينهم..
داعبت اللحية.. بحاجة لشيء آخر..
تفرّقوا..
تفرّقوا على مهل، كأنّهم ينفضون عن لهو..
حملت ثيابي الرثّة ومضيت أفكر..
في كابوس البارحة.
ريهام سعيد

الجمعة، 7 يناير 2011

الارتجالة الرابعة: النص السابع

- "هي معي".
- "مَنْ؟".
- "أمك".
كان وقع الجملة مختلفًا تمامًا عليّ.. كنت أعلم أنّها تقصد شيئًا آخر.. تحجّرت ملامح وجهي على عينيها وابتسامتها الواثقتين.. شعرت بها تقتلني ببطء دافئ.. لست أرى له وصفًا آخر.. مزيج الحيرة والفزع و.. والأمل كذلك.."تقتلني ببطء دافئ".. أخذتني من يدي..
كاد قلبي ينطق.. يرسم -بدقاته المتلاحقة- حديثًا مطولاً متلعثمًا بأكمله.. لا يخرج سوى عن فم مرتعش بقوة كما كان حال قلبي.. ذاك الجزء الرافض مني لمذاق اليُتم.. تهلل!..غلّفته نشوة الفرح بقوى خرافيّة قاتلت في العقل والمنطق.. قاتلتني.. حتي كدت أشعر بقدمي لا تحملاني..
***
كنت صغيرة..
لا تستطيل قامتي لمفتاح الضوء بعد.. أتذكر هذه الفترة، حيث كنت أستيقظ من نومي في الليل غير خائفة من الظلمة، إنّما أضطر للصراخ كي تأتيني أمي فزعة.. كنت أحب خوفها عليّ، وضمّة جسدها الدافئ بفعل الانغماس في النوم.. كانت جدتي عندنا في تلك الليلة، واستيقظت من نومي أتأهب لصرختى اليوميّة.. ولكنني سمعت نقاشًا حادًّا، فامتنعت.. غادرت السرير للباب الكبير، يداي تطول المقبض، فحركته بحرص شديد حتى انفرج ثغر كافي كي أتلصص..
كانت أمي تعاتب جدتي بقوة لإصرارها على المغادرة.. كنّا في وقت الفجر تقريبًا.. ولم يكن للأمر أي مبرر.. زادت حدة النقاش فجأة حتى صار أشبه بالصراخ.. توقفت جدتي عن الحديث، واسترسلت أمي في صراخها.. هي تفعل  ذلك دومًا.. تقول وتقول وتصوغ أحاديث لا تبادلها أحدًا.. تلقيها على متلقيها فحسب..
قاطعتها جدتي وسط صراخها قائلة بحزم: "أبوك في انتظاري الآن".
صمتت أمي لثوان ثم وجهت نظرها ناحية بابي فاختبأت أنا..أحسست بوقع قدميها آتيًا ناحيتي، فركضت إلى سريري ومثّلت النوم.. فتحت الباب، وألقت نظرة مطوّلة عليّ، ثم غادرتني برفق.. لم أبارح السرير ثانية خشية غضبها، إلا أنّني سمعت الصمت.. اختفى كل الصوت مدة، تبعها أزيز باب بيتنا الذي أعرفه جيدًا.. لا أذكر بعدها سوى أنّي غصت في النوم، ووجدت على سريري في اليوم التالي هدية، ذهبت بها مسرعة إلى أمي، فوجدتها بجانب الشرفة.. وضاءة، غادرت الأسود الذي ترتديه منذ مدة وترتدي ألوانًا زاهية، وعندما رأتني لم تنتظر سؤالي لتخبرني أنّها هدية جدي..
***
أخذتني من يدي..
أخذت تدور بي في البيت، تعرفني عليه، كأنهّا مرتي الأولي، تريني منه مخابئ لا أعلم عنها شيئًا.. هل كانت هذه الغرف هنا من قبل؟.. وكيف لم أعلم أبدًا أنّ لبيت جدتي قبو؟
"خلف الستائر سماء تسع الكثير".
قالت ذلك وهي تزيح الستائر.. شهقتُ حينها أنا وخبأت فمي بيدي لأكتم صرخة فزعة.. كانت النافذة تطل علي السماء مباشرة، تخبرك يقينًا بالعلو.. لم أجرؤ أن أقترب لأرى الناس ككائنات صغيرة من الأعلى وأنا أعلم أنّ بيت جدتي بارتفاع دور واحد..
لم تحملني قدماي أكثر، وسقطت على أقرب كرسي، توقفت حدقة عيني عن الحركة أمام وجه جدتي الباسم.. علمت أنّ هذه الجولة في البيت الذي لم أعرفه يومًا تأهبني لحدث ما.. أغمضت عيني وانفرجت شفتي لتعلن تنهيدة انتظار موجعة..

ريهام سعيد

الاثنين، 22 نوفمبر 2010

النص الأول: صندوق


صندوق ألعاب قديم لم يُفارقني.. صار يُراودني في حلم يقظة منذ مدة...
أرى الصندوق فيه بذات الألوان الزاهية القديمة.. برّاقة، تجذبني -بلا إرادة مني- إلي حياة أخرى بداخله.. لم أكن أعلم عنها من ذي قبل..
تدبُّ أقدامي الفارهة ذهابًا إلي الصندوق الزاهي.. فأسمع لها وقعًا كوقع قدمي الصغيرتين في الماضي..
تنمو أطرافي في طريق ذهابي، وينمو الصندوق معي.. ليصغر بقية الكون حولي... عمدًا!
أخترقه كبقايا روح لم تفارق عالم المادة بعد..
أندسُّ داخله بدافع شيء ما..
وتغيب نفسي في ذهولي بصحة ما كنت أخشاه يومًا!!
فالجنود الصغار حقًّا يرقبون عمري بتربّص..
الدمى شياطين بثياب ملائكة بالفعل..
فالذي يسير منها مهدهدًا إياي بأغنية صار يدب بأقدامه عليّ ..
والذي كان يلف ويدور في فلك أبيض.. صار يلف حولي ليُباغتني بطعنات..
حتى الدمى الساكنة -ببسمة ما- متهتكة مسودة.. فزعة ترقب مصيري بينهم..
تجمّعوا من حولي يريدون إزهاق روحي في احتفالية أشبه بتقديم القربان!
زيّنوا رأسي بورود حمراء.. يزداد لونها احمرارًا بمرور كل برهة.. حتي خِلتها تقطر دمًا!
ألبسوني زى ولادتي الأبيض، إنّما عرّوا ساقي، ولفوا بقايا الثوب حول عنقي..
وعندما شخصت عيناي فزعة على بقايا نبضي..
عندها فقط..
قررت التخلص من الصندوق!!

ريهام سعيد