الأحد، 5 مايو، 2013

"مغامير"*.. من الأزمة إلى فضاء الأدب، مقال ياسر علام على موقع اسلام اون لاين في (نوفمبر 2006)



في منتصف التسعينيات كانوا يلتقون -مجموعة من الطلاب الجامعيين الذي كان يشغلهم اهتمام مشترك- وما تكاد المجموعة تغادر جلسة مع الروائية والأكاديمية رضوى عاشور، حتى يحيطوا بالأستاذ الناقد الدكتور صلاح فضل، وما يكاد يفلت منهم حتى يذهبوا ليشاكسوا الراحل الجميل الدكتور عبد القادر القط.
كوَّنوا المنتدى الثقافي لجامعة عين شمس، كانوا مزيجًا فنيًّا ربطه الفن، مزحزحًا ما علق بكل منهم من بقايا أيديولوجية. لشد ما كانوا مختلفين، مختلفين ليس في تخصصاتهم العلمية فحسب، كان منهم المصريون والسودانيون والفلسطينيون وغير ذلك، ميّزتهم الأعراق، والأعراف، واللهجات، والعقائد السياسية، ووحّدهم الفن، وأنضجهم القلم، وكدت أقول الألم.
لم يكن هذا حالهم في جامعة عين شمس فحسب، بل تقاطعوا بعد ذلك مع تكوين شبيه -لحد مذهل- في جامعة القاهرة، ثم الإسكندرية، وكلما مرت الأيام عثروا على أشباههم في المحيط العربي والإسلامي والعالمي؛ لنكتشف قسمات مشتركة لهذا الجيل الذي وصم بلعنة ما صنعها، بقدر ما صنعته، ليكون مدموغًا بكونه (جيل أوسلو).
جيل أوسلو
ولعله من العسير لحد كبير، أن نحدد قسمات وملامح هذا الجيل الفكرية الفنية، غير أننا على سبيل الإيجاز المخل نقول؛ جيل ميّزه اليتم على المستوى الحقيقي والمجازي، فهو جيل سافر الكثير من آبائه إلى دول الخليج، لعلهم ينالون تعويضًا ما عن النصر الذي جاءوا به ليحصده غيرهم، وفي غيبة الأب الحقيقي، بحث الجيل عن رمز فوجدوا مانديلا قد صار رئيس جمهورية، وعرفات يصافح رابين -الممتعض- في أوسلو.
ذوو الميول القومية خفت نبرتهم حين كان المهيب الركن يهاجم الكويت، والشيوعيون كانوا ما زالوا يلعقون جرح انهيار الاتحاد السوفيتي، والمتأسلمون يفزعون من تفجيرات لا تكاد تنتهي إلا لتبدأ، بزخم هذه اللحظة تشكلت تجربتهم، وراقتهم تنظيرات ما بعد الحداثة التي شخصت غربته الداخلية وتشظيه، ولشد ما كانوا يجافون الكلاشيهات الطنانة ويتشاجرون فيما بينهم، فيتحدث سياسيو العمل الطلابي المحترفون مع الطلبة عن مذبحة الحرم الإبراهيمي، وعناقيد الغضب، وقانا، ويتحدثون هم عن ارتفاع سعر الكتاب الجامعي، وحقوق الطلبة المعاقين، وغيرها مما يمس الذاتي مسًّا.
كان فضاء الكتابة لديهم موصوم بالذاتي والعابر واليومي والحياتي والمعاش والهامشي، وكانوا هستيريين في مواجهة أي مجاز من أي نوع، ويتساوى في ذلك أي مستوى استعاري يستحضر الوطن أو الأمة أو الخلافة أو الدولة.
وواكب فكرهم هذا جماليات الكتابة لديهم، فكانت عابرة للنوعية هي الأخرى، أسموها جميعًا بالنصوص؛ وما عنوا بتصنيفها إلى شعر ونثر، أو إلى قصيدة وقصة، أو إلى مقال وخاطرة.
لقد زامن سقوط الشكل سقوط الأيديولوجيا. وكم بلغت حماستهم ذرا، حين جاءت أعمال فنية عالمية تؤكد ما يكاد يتبلور لديهم في (القلب الشجاع)، (فورست جامب)، و(صمت الحملان)، و(الفانتازيا)، و(البوب أرت)، و(الكولاج)، و(الأعمال المركبة)، وغيره...
جيل سبتمبر
كان هذا بالأمس غير البعيد -منذ عشر سنوات أو يزيد قليلاً-، أما بالأمس الأقرب فكانت تتشكل تجربة جيل آخر تتقاطع مع تلك الرؤية، وتحمل ملامح مناقضة -إلى حد بعيد- لما سبق، وهو جيل سبتمبر؛ ولهذه التسمية ما يبررها..
هل يستطيع منصف أن ينكر أن الذي حدث في 11 سبتمبر وتبعاته قد أحدث نقلة؟! نقلة أقل ما يقال عنها إنها حفزت اتجاهات فكرية -كانت موجودة بالفعل لكنها صارت في حالة احتشاد- وفعلت نفسها بعد ذلك، حفزت اتجاهات منحازة دينيًّا وعرقيًّا وإثنيًّا وقوميًّا إلى آخر الانحيازات المعروفة، ونحن هنا لسنا بصدد مناقشاتها مطلقًا، بل نؤكد فحسب أن الحدث أعطاها شرعية ودرجة من الحصانة لدى قطاعات أكبر.
فمن كان يتحدث عن نظرية مؤامرة مثلاً، صار لديه الدليل الدامغ على أنه كان ثاقب النظر، جلي البصيرة، دون أن يعتبر أن الشحن في هذا الاتجاه قد يكون قد أوجد تلك الحقائق على الأرض، ولم يتنبأ بها هو ببراءة مجانية، ها نحن نسقط في فخ المناقشة، نسرع فنفر منه سريعًا كما ألزمنا أنفسنا.
هذا الانحياز، أو لنقل هذه الانحيازات ما وراء الفردية، ستكون حاضرة وفاعلة في كتابة (جيل سبتمبر)، خاصة بعد أن عادت السياسة الدولية لتكون دائرة اكتراث شعبية مثلما كانت في الستينيات، وحيث عادت الجماعة الشعبية تتغنى بفيروز، أو حتى (بكره إسرائيل). في مثل هذا السياق كان من المرجح أن يعود لقاموس وظيفة الكتابة تعبيرات من قبل (الرسالة)، (الالتزام)، (دور الفنان)، (الفن المنضبط)، (الفن المسئول)، وهي مقولات وأدوار تراجعت في الموجة السابقة.
   
ما بين الجيلين

شعار مغامير

  وفي مناقشة مع جماعة مغامير الأدبية الفنية ترسخ لديّ الوعي بهذا الفرق بين كتابة أوسلو، وكتابة سبتمبر. دعونا نلعب معًا لعبة طريفة، فأتخيل ردود أوسلو وأقارنها بردود سبتمبر التي أجد مغاميرممثلا شفافا لها، حين سألت مغامير مثلاً عن ما هي الكتابة بالنسبة لمغامير؟! أجابوا:
- الفعل الذي لا يمكن شرحه بلا أدبية، فكلما حاولنا الرد على هذا السؤال لماذا نكتب؟! خرجت الإجابة بنصوص دعنا نقل شبه أدبية على الأقل..
- بالرغم من اختلافاتنا ككتاب نجدها على الأقل -يعنون الكتابة- الفعل المجمع لنا..
- هي لغة اللغة، وتواصل التواصل، هي ناتج البحث عن هوية..
- هي أداة التعرف الحقيقي على الآخر من خلال طرح ذاتنا عليه، ومن ثَم تحديد موقفه من مثل هذا الطرح للذات..
- هي التأريخ للزمن الذي نحياه بشكل لاإرادي..
- هي الفعل الفطري التلقائي والملكة التي وهبنا الله إياها..
- هي الفعل الذي تقوم به من أجل نفسك فيفيد غيرك ولو رغمًا عنك..
- هي الفعل الذي تقوم به؛ لأنك لا تستطيع إلا أن تقوم به..
هكذا نجد المفهوم يتسع لينتمي لجذور فكرية وفلسفية عديدة، تكاد تتناقض أحيانًا، فطرف منها يصنع من الكتابة (مدلول متعال/ مفارق/ لانهائي) يسيطر على المبدع بشكل فوقي وقدري، ومنها ما يجعله أداة تواصل للفنان واجبة للتعبئة الاجتماعية.
والملاحظ أن النبر الاجتماعي يلوح بوضوح عنه في خطاب جيل أوسلو الذي كان سيجيب على نفس السؤال بـ:
- الكتابة هي السعي لبلوغ مقابل ذرة الكربون التي أسس عليها الكون، ولكن الكون الخاص بالكتابة والذي هو العلاقات الإنسانية، إنها تلك الوحدة المتناهية في الصغر التي تربط شيئًا بشيء.
- هي محاولة مختصرة لإعلان عدم قابلية الأشياء للفهم.
- هي الفعل الذي لا ينبغي البحث عن تبريره من خارجه.
- هي الفعل الذي لا يمكن حصره ضمن نطاق أي مكون معرفي إلا للعب به والسخرية من جديته.
- هي الإعلان غير مدفوع الأجر؛ للإفلاس والتوجه للبشر بأي قيمة.
وإذا ما غادرنا ماهية الكتابة، إلى أمر إشكالي آخر وهو الموقف من الجذور الفنية بشكل عام، إلى من ينتمي للتيار ويدين فنيًّا وممن يرفضون وممن يتنصلون؟! أجابت مغامير:
- الاختلاف لا يعني القطيعة، لولا أن هناك من قبلنا لما جئنا نحن..
- الكتابة ليست نبتًا شيطانيًّا، أو زهرة شكلها واحد، الإبداع الإنساني متطور..
- حتى حين تصرح أنك مختلف مع كتابة معينة، أنت في الوقت ذاته لا تنفيها، بل تؤكد أنك على معرفة بها، وبالتالي تشكل موقفك ذاته من تأثر ما بها، فحتى مع من تختلف، أنت لست في قطيعة نهائية معه..
- تراث ممتد من امرئ القيس إلى اللحظة الحالية، هو جذورنا الفنية التي تربينا عليها، لكن بوعي أنه لا نبوة في الفن، ولا عصمة لفنان، فهو تراثنا لكن بمنطق أنه يؤخذ منه ويرد..
هذا أمر آخر يخالف فيها هذا الجيل سابقه، حيث إن الجميع كان وبشكل لاإرادي سيصل بك حتمًا للواقعية السحرية، وفي هذا السياق كانت أسماء كتاب أمريكا اللاتينية إيزابيل الليندي، وجبرائيل جارسيا ماركيز، ويوسا، وثيلا، وكويلهو، وغيرهم ستتوافد، البعض يعتبرهم الأساتذة الأقرب لروح كتابة العصر، والبعض يرى أنه لا سبيل لصنع كتابة هنا والآن إلا بالخروج عليهم، والفكاك من إثرهم.
أين المتلقي؟
وإذا كان مثلث الكتابة يتشكل من فعل الكتابة ذاته ومن الممارس لها فمن المفترض وجود متلق، وطبيعي أنه ثمة تصورات معينة عن هذا المتلقي المفترض من لدن الكاتب، يختلف تصور مغامير سبتمبر للمتلقي المستهدف من قبلهم عن تصور سابقيهم، فلدى مغامير:
- المتلقي لا يشبهني بالضرورة، وليس مطالب بأن يكون على نفس درجة وعيي، ومن ثَم ينبغي أن يحصل على شيء ما عند تعرضه لكتابتي، ولا يتوه في دوامة لا يصل منها لشيء..
- لا نتوجه للمثقف النخبوي المتعالي، بل نريد أن نكسر هذا النمط الذي أضر بالثقافة العربية وكرس له الإعلام ربما لعزله عن مجتمعه..
- يجب أن يصل للمتلقي متعة أو إفادة ولا يوجد فارق حاسم بينهما، فثمة متعة من الإفادة، وثمة إفادة من المتعة، لكن أن يتعذر الوصول لهذه أو تلك يعني أن النص فقد قدرته على التواصل، لقد تحول إلى نص مبتور الأطراف.
- بدون جمهور يموت النص، هذه قناعة أساسية تأتي بعد ذلك مساحات الاختلاف بيننا في طبيعة المتلقي، لكن هذا أمر صحي فالاختلاف حتى في استهداف جمهور يوفر للجماعة دوائر جمهور أوسع.
وهذا التصور عن الجمهور نراه متسق تمام الاتساق مع النبر الاجتماعي ووظيفة الكتابة، ومن هذا الموضع ذاته يمكن لنا تصور رد أوسلو على مثل هذا السؤال..
- الجمهور مثل الراوي، مثلما أن هناك راويًا عالمًا بكل شيء، وراويًا ناقص المعرفة، هناك متلق مفترض قادر على فك كل شفرات النص، وهو المتلقي الكامل، وهناك المتلقي الذي يضيف له النص شيئًا ولو على مستوى الحس الجمالي، لا متعة بدون تشفير، النص بهذا المعنى هو لعبة إخفاء وإفشاء، ولا يهم أن يصل النص، يكفي أن يخرج، لقد اكتمل لحظة أن فارقه القلم، حتى ولو لم يقرأه إلا واحد ولو كان الكاتب ذاته.
التمرد يمسك بالنص
قضية إشكالية بالنسبة لأي توجه فني هي قضية التمرد على القيم المجتمعية والحيز الذي يعطيه لنفسه؛ لمراجعة ثوابت مجتمعه وتغييرها، وهو ينتقد جماعة يرغب أن تهنئه بدرجة ما على هذا النقد أو النقض لها، طبعًا بالنسبة لأسلو كانت الدائرة مفتوحة على مصارعها، حيث مساحة مناطحة ثوابت المجتمع كانت مادة مشتهاة من قبلها، وندر أن تجد نصًّا لا يشتبك مع المرتكزات الدينية أو الوطنية أو الجنسية بتداخلاتها، ويكفي أن عدد النصوص المصادرة لذاك الجيل تزيد عما صودر لأي جيل آخر، وهو الأمر المتسق مع القناعات الفكرية الفنية لهم.
بالنسبة لسبتمبر نجد الأمر مختلفًا، ففنيًّا -على سبيل المثال- نجد مجافاة واضحة لقصيدة النثر مثلاً، بعد كل ما مثلته وخاضته في الخروج للمشهد الأدبي العربي، وفكريًّا، نجد إحساسًا بمسئولية انضباط يستشعرها مغامير كما يلوح مما وراء كلماتهم، في مواجهة مجتمع فني متهتك.
لقد ذكروني بنشأة البروتستانت لماذا؟! لأنهم كإنجيليين رأوا في التمسك الحرفي بالنص المقدس تحررًا وليس تزمتًا أو رجعية، على عكس النموذج الشائع في الثقافة الإسلامية المعاصرة، حيث يمكن اعتبار المعني بالتركيز على حرفية النص دون مقاصده متزمتا، هذا مناقض للإنجيليين لماذا؟! لأنهم جاءوا فتمسكوا بالنص تحررًا من ركام السلطة الكهنوتية، وبالتالي كانوا نصيين ومتحررين، وهذا آخر ما تداعى إلى ذهني وأنا أغادر جلسة مغامير، المفارقة أنهم يعتقدون أنهم جاءوا في القلب من فوضى اجتماعية وفنية، فكان لزامًا عليهم التحرر من الفوضى، بماذا؟ بالتصالح مع ما حاول سابقوهم مجافاته على طول الخط
--

* مغامير.. جماعة أدبية مصرية، أنشئت عام 1997 تجتمع أسبوعيًّا في مكتبة مبارك العامة بالجيزة، وتعقد ندوات وأمسيات أدبية في أماكن ثقافية مختلفة في القاهرة. وتضم الجماعة أكثر من 50 عضوًا من الجنسين، كلهم من الشباب، يكتبون أنواعًا مختلفة من الأشكال الأدبية، سواء من شعر الفصحى أو شعر العامية أو القصة القصيرة أو النثر الأدبي.

هناك تعليق واحد: