الأربعاء، 16 مارس، 2011

الارتجالة الثامنة، مايو 2010: النص الرابع


-  "مش كله أزرق...".
وجدتني أصرخ في وجهه دون أن أتمالك نفسي... فوجئت به يسكن تمامًا وتمتلئ ملامحه بالدهشة... أنا نفسي اكتشفتُ كم كانت صرختي مرتفعة عندما ارتد سكون الشقة بعنف ليؤلم أذني... حاول أن يُمسك بيدي ليقلل من انفعالي، لكنّني أسرعتُ إلى غرفة أطفالنا الذين لم يأتوا بعد، مغلقة بابها خلفي في عنف.
استلقيتُ على الفراش الصغير البارد دون أي شعور بالتحسّن، في الوقت الذي انزاحت فيه الستائر بفعل الهواء، في تباطؤ خفيّ يتسع مشهد النيل عبر النافذة... رغم إرادتي وجدتني أقترب من النافذة متجنّبة فتحها... كان يستلقي دون أي حركة... تتحرك على جسده المراكب مثل حشرات ملوّنة، وتنشب الجسور أظافرها في صدره... "لأ طبعًا.. يعني إيه كله أزرق.."، هل يشبه هذا الوجه ذاك الذي كنت أستيقظ عليه كل صباح..؟! ذلك الجميل ذو الشعر المتطاير مع الريح..! أغمضت عيني وأنا أتخيل ذراعيه القويتين اللتين تضربان الصخر وتفتتان السفن الضخمة.. ثم تتحسسان بنعومة خد الرمل... هل يشبه هذا العجوز محني الظهر، الذي يتقافز الأحفاد فوق ظهره، ذلك الشاب الجامح الذي كان يختطفني فوق فرس من زبد أبيض في كل مرة أفتح فيها النافذة...! أتنهد بعمق دون أن أفتح الشيش:
- "ياه... مفيش زي أيام اسكندرية..".
ارتفع صوت إغلاق الباب الخارجي بقوة، لم يهتم بأن يعالج مشكلتي الصغيرة كعادته، ربما لا يرى إلا مشاكله في حقيقة الأمر، أو ربما لم يتوقع أن يطرأ بينه وبين الفتاة الجميلة خريجة الهندسة ذات السمعة الطيبة وبنت أستاذ الجامعة أي اختلافات...! أستعيد لهجته المستنكرة المستفزة وهو يُلقي بعقد الشقة الجديدة في وجهي: "حتفرق إيه على البحر ولا على النيل..؟! أنا قررت إننا ننقل القاهرة، ومش عايز أسمع حاجة تاني.. وبعدين انتي من امتى بتراجعيني؟!".
انغرست الجملة في قلبي كمخلب... ومن امتى بارفع صوتي عليه، أجدني أضحك... طب والله عنده حق!
لاحت مني نظرة أخيرة مهتزة على حقيبة ملابسي، أغلقت عيني وأحكمت قبضتي على مقبضها كأنّني أغلق كل أبواب التراجع، رفعت عيني متطلعة دون اهتمام إلى محتويات الصالة التي اختار هو أماكنها؛ الكتب الذي اشتراها، والستائر الثقيلة المسدلة كأجساد مشنوقة، في مواجهتي كانت صورة زفافنا... كان يحتوي جسدي الصغير بالكامل بذراعيه الكبيرين، ينظر إلى المصوّر باتساع.. كان قد أسرَّ لي بأنّه قلق أن يتسبب فلاش الكاميرا في اهتزاز جفنه دون إرادته.. لكنّه كان راضيًا تمامًا عن مظهره في هذه الصورة، حتى أنّه وضع نسخًا لها في كل غرف المنـزل!
أُغلق الباب خلفي بمجرد أن التقت عيناي بعيني الفتاة الجميلة خرّيجة الهندسة؛ تلكما المغمضتين تمامًا، ورأسها المتجه لأسفل، وجسدها المسترخي بين ذراعيه دون أي حركة.

مصطفى السيد سمير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق