الثلاثاء، 3 يناير، 2012

الارتجالة التاسعة يونيو 2010: النص الثاني

تساقط الريح بين جسدينا مدويًا صهيلاً مخيفًا يوازي رهبة الموقف ككل.

تقربت منه بدلالٍ مفتعل لكنه لم يتنح جانبًا ليحتضني...
كنت أود أن أسري عنه بجسدي فألقنه درسًا بالإحتواء على طريقتي الأنثوية...
أحضرت له بعض القهوة وبعضًا من البسكويت الذي خلفته جارتنا من العيد السابق لتعيرنا بعضًا من فرحتنا المغلفة بالذكريات..
عانقت فنجانه بيداي لأكسبه دفئًا إضافيًا من شوقي له ومن ثم قربته من فمي ليحمل له عني بعض من عبيري الذي تعفف هو عن أن أحمله أنا له..
ترنح بيده الفنجان فعلى ما يبدو أن شوقي كان زائدًا عن الحد ومن ثم قال بكل هدوء ..شكرًا
حاولت أن أستحثه على الحديث ولكن تجهمه قتل أوصال أي نقاش فرأيتني بعينيه ثرثارة تافهة المشاعر.
كان دومًا ما يهرب بعينيه إلى فضاء أرحب من فضائي حيث الحديقة بطيورها ونسائمها المتتالية
أردت أن أصرخ به من وقتٍ لأخر ..ها أنا ذا أحاول أن أجاذبك أطراف الحديث فلتعطيني فرصة لأتكلم معك وقد أتاوه عنك وبذلك قد أناهز قلبك العجوز حزنًا
كان صمته قاتلاً، مهينًا، مليئًا بذكريات عفنة يريد أن يتناساها وصور عالقة بقرنيته يود لو فقد نظره ليفتقدها. ولكن يا للأسف فقد سابقته إلى أدراج ذاكرته فليس هناك مفر بكل أسف من التذكر!!
في الصباح التالي قررت أن أتناوب عليه بحيلة أخرى علَّني أنجح ..
فاجئته في شرفتنا بتجهم بسيط ونعاس قاتل بعينيي ليسألني ما بي فأجيبه حينها بأي شيء وبذلك نبدأ بأي حديث يجمعنا وإن كان تافهًا.. فلا زال حديثًا.. ولا زال يجمعنا.. سأرضي بالقليل حتى أحوز الكثير
لم يسألني!!
يا ليته من قلب تائه معتق بالذكريات قاصر عن التذكر..
سابقته قائلة غريبة انا اليوم؟؟ هز رأسه بإيجاب بسيط ..
لا زال يطيل نظره للحديقة.. ما بها أكثر مني لينظر لها ويتركني؟؟
ها أنا ذا أحارب المجهول بداخله بلا أي سلاح واهي.. لعله قد فقد عني كل أسلحته وأسلحتي بتلك الحرب اللزجة التي تعايش مع يومياتها بكل بغض؟؟
أعلم أن ما مر به ليس بقليل .. ولكن ما بالنا لنتعايش به لبقية العمر؟
فلنختزنها ذكرى عفنة بدرج قبيح ونتناسى يومًا بعد الأخر أين كانت ومتي تركناها
طلبت منه تفقد الحديقة وتناول الإفطار بين جنباتها فعلى ما يبدو إنها أنجح مني في السريان عنه
أجاب بالموافقة رافعًا جسده عن الأريكة علي مضض فعلى ما يبدو إنه لا يريد أن يتحمل ذنب نكران الجميل لخوصها كما فعل به رؤساء كتيبته الكرام..
فطور رتيب جمع بيننا وكلمات كئيبة طالعتها بالجريدة ومن ثم جذب انتباهي بوقفة مرحة منه والتفاته عتب علي عامل الحديقه قائلاً..ً
ليس بهذا اللطف نُحيي الأرض بعد أن ماتت.. 
فلتميت الموت بداخلها فتحييها من جديد ..
فلتضربها بقوةٍ أكثر فلست بإمراة عجوز أيها الرجل رومانسي الغضب..
قليل من الوقت يمر ومن ثم انتفض زائحًا كرسيه ممسكًا بفأسه متناوبًا على قتل موت أرضنا وبعثها من جديد.. لعلها طريقته لإستفزاز غضبه الداخلي كي يخرج.. لعلها ..موافقة على أي حل إن كان بهذه الطريقة سيريح جزيئاته التعبة من الترحال داخل الماضي..
تتوالى الأيام ووجهه يتفتح يومًا بعد أخر وهكذا أشجار حديقتنا فقد تفهم عاملنا الدؤوب رسالة زوجي له وأخذ منواله في قتل الملل المتربع بحديقة منزلنا .. يا ليته قادر على قتل حزن القلوب بضربة فأسه الواهي؟؟
ورودٌ حمراء .. بيضاء.. حتى شجرة البرتقال أذن لها بضحكاته أن تشاركنا الحياة..
مع طبق من البرتقال واليوسفي وضحكة صبورة مني استحثته على الحديث وكسر وتيرة الملل للمرة المليون بعد المليار..
أجاب بهدوء..أي شوق هذا يحملني إلي الموت؟؟
أي شوق هذا يحييني بمعادلة حياة نهايتها صفر؟؟
أي إستيطان لتلك الأحزان يجمعني بذكريات تحكمت بيومي لوقت طويل ومن ثم تثاءبت مخلفاني بجراح دامية؟؟
لم أرد أن أقاطعه فهذا مبغاي. أن يتكلم ولو غناءً بأي كلمات شعبية 
بدا يفتقد للترتيب وفي غفلة من أحزانه باغته الكلام فتحدث.
لم يُطل ولكنه أنهى كلماته ببسمة رضا عن كونه لا زال حيًا يرزق وإنه يملك اليوم فأسًا يميت حزنًا ليزرع حياة وليس كما سبق يميت حياة ليزرع بقلوب الكل حزنًا ..
ابتسمت في هدوء وقبلت يداه وطلبت منه أن يعدني بأن غدًا سيكون يومًا عبقريًا بصحبتي..
أومأ برأسه قائلاً كم أشتاق لحديثنا السابق قبل سفري..
سامحيني على أي حال برتقالتي الأقرب إلي قلبي..
هكذا كان يدللني فيما سبق ولذا أهتم بزراعة شجرة للبرتقال بحديقة منزلنا لتذكره بي دومًا .... 
و هكذا وجدني بعد طول غياب..
برتقالة مرحة تعشق كلماته وصمته وقادرة على إفناء عمرها تحت قدميه إن كانت ستعينه بذلك على تخطي ولو ساعات مقفرة من يوم مضى.

سميحة الصوَّاف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق