الجمعة، 1 يونيو، 2012

الارتجالة الثانية والعشرون: الطريق الذي لم يُسلَك


كنت أقف في ذلك الطريق متنظرًا قدوم الأتوبيس، ضبابٌ خفيف يجوس كالأشباح مختلطًا بالهواء وبأنفاس البشر... كنت موظفًا بهيئة حكومية وكان ذلك الأتوبيس تحديدًا يمر أمام مقر العمل.. سنوات وأنا أركبه ذهابًا وعودة..!
كنت أقف في ذلك الطريق منتظرًا قدوم الأتوبيس، وفي لحظةٍ نادرة راحت حياتي تمر أمامي كشريط سينما وسط ذرات الضباب.. سنوات الطفولة ثم المراهقة ثم الجامعة... حياة رتيبة حكمتها طبيعتي العقلانية المنتظمة كدقات ساعة قديمة لا تتقدم ولا تتأخر.. حياة واضحة الخطوط.. واضحة التفاصيل.. لكن ينقصها شئ ما.. قررت أن أكسر تلك العادة.. أكسر نمط الحياة الذي اعتدته ولو ليومٍ واحد.. مر من أمامي الأتوبيس فتوقفت متسمرًا بلا حراك.. انتظر خمس دقائق ثم أُشير لسيارة أجرة.. توقفَت.. ركبتها.. كان السائق ضخم الجثة.. يبدو من الطراز العتيق.. العصبي. في منتصف الطريق صدم طفلاً صغيرًا راح يولوِّل.. تجمَّع المارة.. وجدتُ نفسي اندفع إلى الصبي الجريح وأحمله.. متجهًا إلى أقرب مستشفى.. خلفي شخص ما يبكي.. ويلهث.. كنت غارقًا في خواطري الخاصة بكسر عاداتي القديمة.. في المستشفى تابعت حالة الصبي مع أمه التي كانت تلحق بيّ.. حاولت تهدئتها.. انساب الكلام بيننا.. بين شخص نمطي وبين أرملة حزينة.. أم لصبي في الثامنة.. تبادلنا أرقام الهواتف.. مضى شهران ثم تزوجنا.. حياة جديدة غير مألوفة.. تنضح بالدفء.. لكن سرعان ما راحت طبيعتي القديمة تعاود الظهور.. الطبيعة التي كفلت ليّ أن أنجو من صدماتٍ عديدة في الماضي... مضى عامان.. النكد يسود حياتي الزوجية.. بعدها بعامٍ آخر قمتُ بتطليقها نزولاً على رغبتها وقد صرتُ بالنسبة لها شخصًا لا يُطاق..!
برغم نمطيتي وطبيعة الموظف العتيدة لكن يوجد شرخًا عميقًا صار أشبه بالكابوس.. فجوة مخيفة ثقب أسود يلتهم كل شئ تعودت عليه..
كنتً أقف في ذلك الطريق منتظرًا قدوم الأتوبيس.. تمر أمام عيني حياتي المستقبلية الافتراضية فيقشعر جلدي.. يقف الأتوبيس فاندفع نحوه بسرعة قبل انطلاقه..!
عارف فكري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق