الجمعة، 7 ديسمبر 2012

الارتجالة السادسة والعشرون: طاسة الإيمان



- "الطاسة!"
قالها وهو يرشف أخر رشفة متبقية من كوب اللبن. ثم استطرد..
- "هي اللي هتطلع العفريت اللي عليها".
أتعجب من ثقته اللامنطقية. إنه يعتقد أن طاسة مصنوعة من أيام المماليك أو ربما الفراعنة لها شأن ويمكنها بالطاقة الروحية التي تكسوها أن تحرق العفريت الذي يدّعي أنه يتلبس بهيام. أنا لا أؤمن بهذه الخرافات، فهيام تحتاج إلى طبيب نفسي أو أعصاب، وهذا العفريت وهذه الطاسة التي مللنا من سماعها منه.. كل ذلك محض هراء.
- "طيب يا خال الطاسة دي مقلتلناش هتجيبها منين!"
= "لو عديت الجبل الأحمر.. هتلاقيها محفورة بين صخرتين شبه الجعران".
- "جبل أحمر إيه يا خال؟! إنت بتشوف أفلام ساسبنس كتير؟ وقالك جعران! هيام يا خال محتاجة دكتور .. مش طاسة!"
= "منتو ياما ودتوها لدكاترة... بيدوها البرشام.. وبترجع زي ما كانت.. والشيخ حمدان مسافر، ده الوحيد دونًا عن بقية شيوخنا اللي ممكن أثق فيه.. لو سيبتها لحد تاني ممكن يخلي بدل ما لابسها عفريت يخليهم تمنتاشر عفريت! دول تجار دين ولاد دين كلب!"
يقاطعنا فجأة صوت ارتطام عنيف بغرفة هيام بشكلٍ متواصل. نهضنا معًا وتوجهنا للغرفة، وجدنا هيام تصدم رأسها بعنف بمرآة التسريحة، والدم يسيل. وعندما رأتنا قالت بصوتٍ لم نسمعه من قبل: "القرآن عمره ما كان كتاب سماوي!!!" ثم صرخت، وفقدت الوعي. أدقق النظر إلى عينيها فإذا بها حمراء كالدم.
***
- "أختك كويسة دلوقت يا ابني؟"
= "يعني أهو نايمة ورجليها بترتعش ... ممكن يا خال يكون عندك حق فعلاً.. ما هو يا إنت عندك حق... يا دكاترة مصر كلهم حمير ولاد وسخة!"
- "قصدك إن أنا كمان ممكن أكون حمار ياض ولا إيه؟!"
= "لأ العفو يا خال.. مش القصد.. بس هي قالت كده ليه امبارح؟"
- "الشيطان اللي لابسها بيحاول يكفرها"
= "وإنت يعني يا خال عارف كل حاجة لدرجة إنك كمان بتفسر كلامها!"
- "أنا يا ابني قعدت مع أكبر شيوخ البلد، واتعلمت كتير. وكلهم قالولي لو معرفتش تعالج حد، فالطاسة هي اللي هتعالجه".
= "طيب لو إنت عارف ما تعالجها.. وتنجز الحوار ده!"
- "أنا ضعيف يا ابني.. هنتكلم كتير وهنضيع وقت... لازم تساعدني ونروح نجيب الطاسة"
= "يا أخي يلعن أبو أم الطاسة ع اللي جابوا الطاسة ع اللي بيفكر بالطريقة الجاهلة دي في يوم واحد!"
صفعني خالي بقوة على وجهي.. بينما تُلقي هيام ما بجوفها، ويظهر القئ على ملابسي كالصديد.
***
أنا لا أؤمن بهذه الخرافات، لا أؤمن بأي شئ وراء المادة. أخاف أن أشير لخالي بذلك فيقتلني لكفري بما يعتقده هو وسائر الدينيين. ولكني طالما أردت فعلاً أن أرى بعيني مثل هذه الأشياء الميتافيزيقية، فسيكون دليلاً على وجود العالم الآخر. لذا عزمت على أن أتابع خالي، واذهب معه لإحضار الطاسة. هه، ياله من أمرٍ مضحك، سأدع هيام مع عمتي.. ولكن لحظة... ربما حتى لو نجحت الطاسة ورأيت العفاريت بعيني، ما المشكلة في أن يكون ذلك دائرًا في نفسي وقد أصبحت مريضًا نفسيًا!... لا أدري..
***
توجهنا إلى الصعيد حيث الجبل الأحمر، تخطينا مجموعة مهولة من المقابر حتى وجدنا الجبل يتجلى أمامنا. والقمر ينتصفه من قمته. صعدنا، حتى وجدنا صخرتين تشبهان الجعران فعلاً! أعطاني خالي الجاروف وقال:
 "احفر هنا، بس بالراحة لحسن تجرح الطاسة".
فحفرت، ظللت أحفر حتى كدت أفقد الأمل. صنعت عمقًا كبيرًا، ظللت أحفر كثيرًا.. حتى مللت.. وفجأة أدركت أن الشمس قد سطعت. أين الطاسة اللعينة!
التفت إلى خالي فوجدته رجلاً يرتدي بالطو أبيض، ويدعوني للركوب بحافلته الكبيرة..

أحمد الصادق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق