السبت، 23 مارس، 2013

القصة الفائزة بالمركز العاشر في مسابقة مغامير للقصة القصيرة


البحثُ عن دِفْء


خلف نافذةٍ مفتوحة وحيدةً وقفت.. تُخرِج الملابس المبللة من غسالةٍ نصف مستهلكة وتُلقي بها في سلةٍ حمراء كبيرة.
صوت المذياع يبنعث من الردهة مشوشًا وكئيبًا.. لا تعرف لِمَ تأنس بالمذياع أكثر من التلفاز، ربما لأنه يُشعرها أن الزمن قد توقف عند تلك الأيام الحالمة البعيد.. هل كانت الحياة بالفعل أجمل وقتها أم أنها الذكريات التي تضفي مذاقًا مميزًا على كل ما يمتزج بها؟
منذ قليل سمعت المذيع يُعلن عن مسرحية (يرما) للوركا.. لم تسمع تلك المسرحية من قبل، ومن مكانها لم تستطع أن تميز الموضوع الذي تدور حوله، لكن راقها كون الترجمة بالفصحى وليست العامية كما يحدث أحيانًا فيبدو لها الأمر مضحكًا، خاصةً حين يتعلق الأمر بإحدى المسرحيات الإنجليزية القديمة شديدة الرصانة.
حملت السلة الثقيلة ومرت عبر الردهة إلى الشرفة.. في تلك اللحظة كان ما يُشبه أغنيةً ثنائية بصوت طفلٍ وامرأة تتسلل عبر السماعات:
-          من أين جئت يا طفلي السعيد؟
-          من قمة البرد في وادي الجليد..
-           ماذا تريد يا صبي؟..ماذا تريد؟
-          أريد دفء قلب أمي.. أريد دفء قلب أمي..

علقت الكلمات بأذنيها، وأعجبتها النغمة فظلت تدندن بها وهي تعلق الغسيل على الحبال.. انفعلت بالأغنية حتى دمعت عيناها.. تركت الملابس المبللة على السور ودخلت.. أغلقت الراديو وجلست تبكي.. أيتها الحمقاء؟.. أتبكين؟.. لماذا تبكين.. وماذا سيفيد البكاء الآن؟.. أيتها الغبية هل كنتِ تريدين طفلاً؟.. ولماذا؟.. وهل كان سيظل طفلاً للأبد؟.. لا بُد أنه كان سيصبح الآن رجلاً لا يحتاج إليك بل إلى زوجته وأولاده، وكان سيتركك وحيدة أيضًا.. المشكلة أنها تعرف كل هذا لكنها لا تستطيع أن تمنع نفسها من... انتفضت فجأة في جلستها عندما سمعت صوت حركة من مكان ما.. إن أعصابها المرهقة..... نهضت لتفتح المذياع مرة أخرى عندما سمعت الصوت من جديد.
كان يبدو كصوت رفرفة أجنحة عصفور.. أيمكن أن يكون عصفور حقًا؟ ابتسمت في حنين وهي تتذكر.. كان ذلك يحدث كثيرًا عندما كانت صغيرة.. يدخل عصفور ويظل يتخبط في أنحاء الحجرة، يصطدم بالمصباح المعلق.. يترنح المصباح ويدور مبعثِرًا الضوء بطريقةٍ فوضوية، لكنها لا تعرف لِمَ لم تعد العصافير تزورهم منذ كبرت.. أتكون هذه زيارة بعد غياب من عصفورٍ ضلَّ طريقه إلى شقتها؟
في فرحةٍ طفولية أسرعت إلى الغرفة مصدر الصوت، لكنها سرعان ما شعرت بالإحباط.. كانت الغرفة خاوية ليس بها شيء، كما أن إضاءة منزلها الآن كلها من النيون الأبيض الباهت المثبت في السقف.. ليست مثل المصابيح القديمة التي كانت مدلاة من أسلاك تتطوح عند اصطدام العصافير بها.. لا شيء يدل على أن العصفور- لو وُجِد حقًّا- كان هنا.. النافذة مغلقة كذلك.. ربما أتى عبر النافذة المفتوحة في الرواق فوق الغسالة.. ربما، لكنه حتمًا خرج الآن.
كادت تتحرك عائدةً إلى الشرفة عندما سمعت الصوت من جديد يأتي من خلفها بالضبط.. استدارت.. لا شيء.
كُفِّي عن هذه الهلاوس.. رفعت عينيها لصورة زوجها الراحل المعلقة على الحائط.. كأنه يقول:
-          "هيستريا.. إن الهيستريا شيء مرتبط بالنساء دائمًا.. حتى اللفظة مشتقة من كلمة....."
لا تعرف لِمَ شعرت – فجأة- بالخوف من الصورة.. ربما لأنه خُيِّل إليها أنه يبتسم في سخريةٍ من بين لحيته الجيفارية الخفيفة.. كان زوجها مثقفًا يساريًّا عائدًا من الاتحاد السوفيتي عندما قابلته لأول مرة، وكان لديه أفكار كفيلة بأن يطرده أبوها ويرفض أن يزوِّجها به.. لكنهما تزوجا، رغم كل شيء تزوجا و....... هذه المرة تجمدت أفكارها نفسها عندما سمعت المذياع يشدو من الخارج:
-          "من أين جئت يا طفلي السعيد ؟!!!!"
***
هناك من يعابثها.. إن امرأةً وحيدة مثلها هدفٌ للكثيرين.. لمَ لا نسرق هذه المرأة الحمقاء، التي ليس لديها من يحميها، أو نقتلها حتى إن استدعى الأمر؟ لكنها ستثبت لهم الآن أنها ليست بحاجة إلى أحد ليحميها.
سحبت المكنسة وتسللت في هدوء على أطراف أصابعها، ثم توقفت.. الراديو مغلق..الردهة ساكنة.. لا شيء هنالك.. يبدو أنها قد جُنت أخيرًا.. كلا، ذلك اللعين يبالغ في الدور الذي يمثله.
توترت حواسها حتى كادت أذناها تتحركان كأذني كلب أو قط.. سمعت صوت ذلك الزحف.. تلك الحركة التي يحاول صاحبها إخفاءها. من جديد تسللت في هدوء بخطواتٍ متحفزة وشحذت سلاحها ذي الشعر البلاستيكي الكثيف، إضافةً إلى حنجرتها، حتى تستطيع الصراخ فورًا.
نعم، الصوت قادم من هذه الحجرة.. تستطيع أن تحدد المكان قبل أن تدخلها.. عند النافذة. في حركة هجوم خاطفة مفاجئة اقتحمت الحجرة.. سقطت المكنسة من يدها وشهقت قبل أن تسقط بدورها على الأرض.
***
أمام عينيها كان ذلك الكيان الأبيض يُحلِّق قريبًا من النافذة.. أبيضٌ أم شفاف؟ لا تعرف.. ليس له ملامح محددة أو أطراف كأنه وشاح رقيق معلق في الهواء. استندت إلى الحائط ونهضت بصعوبة:
-          "بسم الله الرحمن الرحيم"
-          "لا تخافي"
من أين خرج الصوت، وكيف تسلل ووصل إلى عقلها.. تراجعت إلى الخلف.. صوتها الذي شحذته لتصرخ كان قد ذهب تمامًا:
-          "ألا تعرفينني؟"
وهل يمكنها أن تعرف كائنًا كهذا:
-          "أنا ابنكِ الوحيد..ابنكِ الذي رحل قبل أن يولد"
تتراجع.. تتذكر.. زوجها المثقف لم يكن يريد أطفالًا.. "هذا الحمل لا بُد أن يُجهض".. حملها الوحيد جعلها تفقده ولم تحمل من بعدها قط. حاولت أن تقول شيئًا:
-          "أنت... أنا......"
-          "أمي.. لِمَ أنت خائفة هكذا؟ أنا أريدك"
واقترب الكيان الهلامي منها.. الغريب أنها شعرت أنه يتجسد على شكل طفل:
-          "كل ما أريده هو دفء قلبك.. قلب أمي"
دون وعي فتحت ذراعيها تستقبله.. يحتضنها الكيان الشفاف .. تذوب فيه وهو يردد بصوتٍ ناعم رقيق:
-          "أريد دفء قلب أمي.. أمي التي قتلتني!!!"
اختنقت أنفاسها.. وأصبح جسدها باردًا كالثلج.

هبة الله محمد

هناك تعليقان (2):