الاثنين، 7 ديسمبر، 2015

الارتجالة السادسة والأربعون: ألوانٌ باهتة

-1-
في عشية المعركة وبينما تزأر العاصفة بالخارج أطعمت الجدة حفيدها وأشعلت المدفأة واحتضنته. وبينما يتسرب الدفء والشبع لجسده ترتخي جفونه رويدًا رويدًا... ولكن صوت دوي المدافع وانفجار القنابل وإن كان بعيدًا، يجعله يجفل كل مرة يتردد صداها فيها.
تحضنه أكثر وتشرع في رواية قصتها المفضلة عن ذلك الطفل جميل الألوان الذي يسير في الغابة راقصًا وممسكًا بباقة من الورود حتى يشاهد ذلك الحمار الحزين... فيعطيه باقة الورد، فيتعجب الحمار ويسأله عن السبب فيُجيب: بهجة.
يأخذ الحمار الورود ويتراقص ويغني حتى يجد ذلك الكلب الحزين فيمنحه الوود فيتعجب الكلب من هذا، فيقول له الحمار: بهجة.
قبل أن تكمل القصة تنام الجدة.
وفي الصباح تستيقظ فزعة على أصوات الانفجارات. تشاهد من النافذة جحافل النازيين تقتحم قريتهم. تُسارع للبحث عن حفيدها فلا تجده في البيت. تعاود النظر فترى حفيدها يمسك وردة ويجري ناحية النازيين. لا تتعجب من حصوله على وردة في الشتاء، ولكن تتعجب من ركضه ناحية الضابط النازي؟!
تخرج من البيت وتنادي على حفيدها الذي يواصل الركض ناحية النازي صارخًا: بهجة... بهجة.
يقترب من الضابط الذي يصرخ بكلمات لم تفهمها الجدة، ويرفع بندقيته ناحية الطفل ويعتصر الزناد.
-2-
مع اقتراب عصابات الصهاينة تجاه تلك القرية الفلسطينية.. ومع الفزع المنتشر بسبب كل الجرائم والمذابح السابقة. تكاد تكون القرية خاوية على عروشها.. ومن وراء الأشجار ومن خلف الأحجار تراقب القلوب الفزعة بدهشةٍ بالغة ذلك الطفل الذي يجري ناحية العصابة حاملاً وردة صارخًا: بهجة... بهجة.
يقترب من أحدهم والذي يرفع بدوره بندقية ويضغط على الزناد.
-3-
تتصاعد إشارات الدخان من بقايا قرية الهنود لتحذر القرية الأخرى عند الجانب البعيد من الوادي. تقتحم خيول رعاة البقر القرية مشعلين النيران في الخيام ومطلقين الرصاص بسخاء.
يعبر الطفل فوق أجساد أهله ويتخطى برك الدماء ليقترب من ذلك الراعي ضخم الجثة ويرفع ناحيته وردة ويقول: بهجة.
يبتسم راعي البقرر باستخفافٍ ويصوِّب سلاحه نحو الطفل.
-4-
في رحلة صيدهم للبوشمن يطارد الانجليز الأجسام الصغيرة التي تحاول تفادي الرصاص والحبال والفخاخ. وبينما تتعالى ضحكات الانجليز، يذرف البوشمن الأسرى الدموع.
يسير الانجليز بقطيع الأسرى يتلاطم في تخيلهم المجهول الذي ينتظرهم... يقترب الطفل الأسمر من الانجليزي قائد المجموعة ويرفع ناحيته وردة: بهجة.
يزجره الانجليزي ويرفع سلاحه ناحيته.
-5-
بهجة.
-6-
يُطلق النازي/الصهيوني/راعي البقر/الانجليزي النار...
 لكن... يتعطل السلاح.


كريم فرَّاج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق