الجمعة، 7 يناير، 2011

الارتجالة الرابعة: النص السابع

- "هي معي".
- "مَنْ؟".
- "أمك".
كان وقع الجملة مختلفًا تمامًا عليّ.. كنت أعلم أنّها تقصد شيئًا آخر.. تحجّرت ملامح وجهي على عينيها وابتسامتها الواثقتين.. شعرت بها تقتلني ببطء دافئ.. لست أرى له وصفًا آخر.. مزيج الحيرة والفزع و.. والأمل كذلك.."تقتلني ببطء دافئ".. أخذتني من يدي..
كاد قلبي ينطق.. يرسم -بدقاته المتلاحقة- حديثًا مطولاً متلعثمًا بأكمله.. لا يخرج سوى عن فم مرتعش بقوة كما كان حال قلبي.. ذاك الجزء الرافض مني لمذاق اليُتم.. تهلل!..غلّفته نشوة الفرح بقوى خرافيّة قاتلت في العقل والمنطق.. قاتلتني.. حتي كدت أشعر بقدمي لا تحملاني..
***
كنت صغيرة..
لا تستطيل قامتي لمفتاح الضوء بعد.. أتذكر هذه الفترة، حيث كنت أستيقظ من نومي في الليل غير خائفة من الظلمة، إنّما أضطر للصراخ كي تأتيني أمي فزعة.. كنت أحب خوفها عليّ، وضمّة جسدها الدافئ بفعل الانغماس في النوم.. كانت جدتي عندنا في تلك الليلة، واستيقظت من نومي أتأهب لصرختى اليوميّة.. ولكنني سمعت نقاشًا حادًّا، فامتنعت.. غادرت السرير للباب الكبير، يداي تطول المقبض، فحركته بحرص شديد حتى انفرج ثغر كافي كي أتلصص..
كانت أمي تعاتب جدتي بقوة لإصرارها على المغادرة.. كنّا في وقت الفجر تقريبًا.. ولم يكن للأمر أي مبرر.. زادت حدة النقاش فجأة حتى صار أشبه بالصراخ.. توقفت جدتي عن الحديث، واسترسلت أمي في صراخها.. هي تفعل  ذلك دومًا.. تقول وتقول وتصوغ أحاديث لا تبادلها أحدًا.. تلقيها على متلقيها فحسب..
قاطعتها جدتي وسط صراخها قائلة بحزم: "أبوك في انتظاري الآن".
صمتت أمي لثوان ثم وجهت نظرها ناحية بابي فاختبأت أنا..أحسست بوقع قدميها آتيًا ناحيتي، فركضت إلى سريري ومثّلت النوم.. فتحت الباب، وألقت نظرة مطوّلة عليّ، ثم غادرتني برفق.. لم أبارح السرير ثانية خشية غضبها، إلا أنّني سمعت الصمت.. اختفى كل الصوت مدة، تبعها أزيز باب بيتنا الذي أعرفه جيدًا.. لا أذكر بعدها سوى أنّي غصت في النوم، ووجدت على سريري في اليوم التالي هدية، ذهبت بها مسرعة إلى أمي، فوجدتها بجانب الشرفة.. وضاءة، غادرت الأسود الذي ترتديه منذ مدة وترتدي ألوانًا زاهية، وعندما رأتني لم تنتظر سؤالي لتخبرني أنّها هدية جدي..
***
أخذتني من يدي..
أخذت تدور بي في البيت، تعرفني عليه، كأنهّا مرتي الأولي، تريني منه مخابئ لا أعلم عنها شيئًا.. هل كانت هذه الغرف هنا من قبل؟.. وكيف لم أعلم أبدًا أنّ لبيت جدتي قبو؟
"خلف الستائر سماء تسع الكثير".
قالت ذلك وهي تزيح الستائر.. شهقتُ حينها أنا وخبأت فمي بيدي لأكتم صرخة فزعة.. كانت النافذة تطل علي السماء مباشرة، تخبرك يقينًا بالعلو.. لم أجرؤ أن أقترب لأرى الناس ككائنات صغيرة من الأعلى وأنا أعلم أنّ بيت جدتي بارتفاع دور واحد..
لم تحملني قدماي أكثر، وسقطت على أقرب كرسي، توقفت حدقة عيني عن الحركة أمام وجه جدتي الباسم.. علمت أنّ هذه الجولة في البيت الذي لم أعرفه يومًا تأهبني لحدث ما.. أغمضت عيني وانفرجت شفتي لتعلن تنهيدة انتظار موجعة..

ريهام سعيد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق