الاثنين، 1 أكتوبر، 2012

الارتجالة الرابعة والعشرون: ثلاث مقطوعات تنزف دمًا!


المقطوعة الأولى:
أجلس إلى الطاولة.. رائحة القهوة الساخنة تدعوني بصمت مغرٍ، لكني كنتُ عنها في شُغل.. فقط رشفتُ منها رشفة، ثم وضعت الفنجان على يميني... هنا لمحتُ خيط الدماء الرفيع يسيل من أعلى على قائم من قوائم الطاولة.. هنا قمتُ بتنفيذ فعلين في ذات الوقت:
ارتديتُ القفازين على عجل، بينما بصري يتتبع خيط الدم القاني إلى أعلي.. يقودني إلى بقعة أكبر.. أصابني الجنون من المنظر.. مددتُ يدي إلى قطعة قماش قطنية نظيفة.. مسحتُ الدم بعناية، فعاد للطاولة لونها الأزرق المعتاد..ثم أمسكتُ بيدي كتلة اللحم ذات التشكيل المميز في كتب الطبّ.. كان القلب ينبض.. نبض خفيف واهن.. كان الوقت ليلاً، وكانت الساعة متأخرة، وكان البرد الثقيل ينتشر في الطرقات والمنازل، كساحر عجوز ينفخُ من فمه هواءً سحرياً يبعث على النعاس.. نعم.. كان صاحب القلب نائماً الآن.. أشقّ القلب إلى نصفين.. هناك ألم كثير.. ألم وحسرة وشوق لم يبلغ منتهاه.. كان علىّ تنظيف كل هذا، ثم إعادة القلب إلى وضعه الأول في قلب .. قلب من؟ أراجع دفتري.. آه.. قلب الفتاة.. أنهيتُ المهمة في ثوان.. رفعتُ بصري أحاول أن أسبر طرف الطاولة التى تمتد أمامي إلى مكان سحيق، وعليها ملايين القلوب التي تنبض نبضها الخفيف الواهن.. إن أمامي عميل كثير.. كثير جداً.. رشفة أخرى من القهوة.. ثم أواصل العمل.
المقطوعة الثانية:
أجلس إلى طاولة الكمبيوتر.. أمامي قدح النسكافيه باللبن.. لسبب ما تصرّ الفتيات- ولستُ شاردة عن القطيع- على أنه المشروب الرسمي لهنّ.. اليوم أشعر بخفة وراحة.. أتحسس مكان الدبلة الفارغ؛ كأنني نزعتُ عني هوّيتي بعد أن انفصلتُ عنه!
لكن كان لابد من اتخاذ قرار حاسم.. الشوق الأول لم يعد هو.. كلمات الغزل الأولي فقدت وهجها.. هناك الكثير من الكذب.. الكثير من الانشغال.. الكثير من الكلمات الجارحة التي تُقال ظناُ منه على أنني صرتُ ملكاً له يفعل بي ما يشاء.. لكنني اتخذتُ قراري، وشعرت بذلك الحمل الثقيل ينزاح من على كتفيّ.. أدخل الفيس.. أراجع الرسائل القديمة.. الأشخاص الذين رددتُ ودهنّ بلطف من قبل.. هل أعطي لأحدهم فرصة؟ هناك هذا الشاب المتيم، وذاك الشاب المرح، و...
ما الذي يحدث؟
تتسارع دقات قلبي.. إنه هو.. لم أقم بحذفه من الفيس.. وسط شطبه من حياتي، ومن علاقتي به نسيتُ الفيس.. أضطرب.. تنثال إلى ذهني عشرات الذكريات القديمة التي تنتفض من رقادها، منبعثة بحيويتها وصخبها بداخلي.. وهذا الألم.. الألم الكاسح الذي يكاد ينتزع روحي مني..
رباه.. ماذا أفعل؟!
أضع أصابعي على لوحة الأزرار.. ثم أتوقف.. أنهض مسرعة إلى حجرة أخي الأصغر والذي كان يشاهد أحد أفلام الكارتون على جهازه... أحتاج إلى قليل من الانشغال فقط...قليل من الانشغال.. ثم...!
المقطوعة الثالثة:
أجلس إلى طاولة الطعام.. كان المطعم غريباً، وقد اختار له صاحبه اسم" منفي العشاق".. بغضّ النظر عن الاسم السخيف، فقد كانوا يقدمون طعاماً جيداً.. هذا يمسك بيد حبيبته، والولع يبدو في عينيه الضيقتين.. وذاك يتظاهر بالألم.. أو هو يشعر به فعلاً.. مثلي.. دفعتُ ثمن خطأي وخسرتها.. حاولتً تعويضها فلم أعرف؛ كأن لكل رجل فتاة واحدة فقط، والباقيات صورة مشوهة من الأصل.. أنظر إلى سكين الطعام التي يلتمع نصلها تحت أضواء المكان.. وأتخذت قراري ونفذته في أقل من دقيقة.. تعالي الصراخ.. غامت الموجودات أمامي.. والكل يسرع نحوي...
الخاتمة:
أحاول التماسك.. الآلم شديد.. الدماء تتدفق بغزارة.. الكلّ يحاول أن يكبح جماحها المتحمس.. على جدراني كانت هناك ملايين الصور.. الكلمات.. الذكريات.. المشاعر.. راحت كلها تنطفيء وتتهاوي.. واحدةَ بعد الأخرى.. ساد الظلام بعدها.. ورحتُ  أنبض بذلك النبض الخفيف الواهن!
عارف فكري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق