الثلاثاء، 28 يناير، 2014

الارتجالة السادسة والثلاثون: النص الثامن

رأته في الحلم على نفس الشكل الذي كان عليه منذ 15 عامًا بشعره الأسود الكثيف وعينيه العميقتين ينظر بهما إليها بإعجابٍ واضح، فقد كانت دائمًا تثيره بذكائها ونشاطها الدائم.. كانت تحاول أن تهرب من نظرات عينيه.. فرغم أنهم يصفونها بالجريئة لكنها كانت تتوتر جدًا عندما ينظر إليها تلك النظرة.
تلفت حوله ليتأكد أن زملائهم في المستشفى لا ينظروا إليهم.. ثم مدَّ يده لتلامس أطراف أصابعها.. وهمس إليها قائلاً: "تعرفي يا سماح لما نتجوز مش هخليكي تعملي الحاجات اللي كل الستات بيعملوها دي.. أنا مش هخليكي تعملي حاجة غير إنك تكتبي وبس.. وأنا أقعد اتفرج عليكي من بعيد".
استيقظت من النوم قلقة.. والتفتت لتنظر إليه فوجدته مستغرقًا في نومٍ عميق معطيًا لها ظهره.
ورغم ضيقها منه.. إلا أن مشاهد الحلم جعلتها تبتسم رغمًا عنها.. حين تذكرت كيف كان يؤمن بموهبتها.
عادت للنوم بصعوبة؛ فرأته مرةً ثانية يقف إلى جوارها في حملة التوعية الصحية التي تطوعا للقيام بها في القرى والمناطق العشوائية. كانا يقفان وسط الناس وقت الظهيرة في شهر اغسطس، بينما انزوى زميلهم بعيدًا وهو يتأفف من حرارة الجو وسخافة الذباب، نظرا لبعضهما بإبتسامةٍ.. فقد كانا يعتقدان دائمًا أن حبهما يجعل حولهما طاقة إيجابية تمنع عنهما مشاعر الضيق حتى من ذباب الصيف.
تنزعج من حرارة الجو في غرفتهما فتقلق.. تمسك بريموت التكييف، ثم تعدل عن فكرة تشغيله حين تذكرت أخر مشاجرة لهما بسبب فعلة كهذه.
تسلم أمرها لله.. وتحاول النوم مرة أخرى فترى لقطات خاطفة ليوم زفافهما.. وحين كان يقبل رأسها في المستشفى عندما أهدته "سلمى" طفلتهما الأولى.. ومشهد أخير كان ينهرها فيه أمام طبيب الأطفال بعد إصابة "سلمى" بالتهاب رئوي....
تصحو أخيرًا من نومها المضطرب.. تمسح بيدها دموعًا صغيرة تكونت في عينيها حين تذكرت اليوم الذي قررّ فيه أن تستقيل من وظيفتها لتولي اهتمامًا أكبر بالبيت وأطفالهما الثلاثة.
نظرت في اتجاهه فوجدته قد غادر.. تاركًا لها ورقة كتب عليها "صباح الخير... أعدي غداءً مميزًا.. انتظر ضيوفًا مهمين".
تشرب قهوتها الصباحية على عجل.. وتتوجه للمطبخ لتبدأ في إعداد الغذاء وهي شاردة تفكر في ذكريات كثيرة أثارها ذلك الحلم الغريب في عقلها.. فتخرجها من تركيزها ذبابة دخلت من شباك المطبخ..
تشعر وكأن غضب 15 عامًا قد بدأ يسري في أعصابها بسبب تلك الذبابة.. فتجعل كل همها في الحياة أن تخرجها من المطبخ أو تقتلها...
لا تفيق من فورتها هذه إلا على رائحة شياط تأتي من الفرن...
تقف في وسط المطبخ.. تبتسم بعصبية وتجد نفسها تصيح بصوتٍ عالي: "تزوجته لأحقق أحلامي.. فحولني إلى زوجة تنتظر ضيوفًا مهمين وذبابة تقلب لها حياتها".


رنا حسين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق