الخميس، 17 سبتمبر، 2015

الارتجالة الخامسة والأربعون: أراذل الحب

ـ 1 ـ
قفزت في ميكروباص (مسطرد- باب الشعرية) في ذلك الصباح ذو الشمس المتوارية خلف الغيوم، مستمتعًا بمراقبة انعكاس الفتاة القابعة بالكرسي المنفرد خلف الباب. كانت تتحدث في الهاتف عبر السماعات المتوارية داخل حجابها، تبدو سعيدة لا تخجل من مواراة إبتسامتها مما جعلني سعيدًا بدوري... بالرغم من إثارة الشجون في نفسي لتوتر علاقتي بـ(أحلام) وعدم قدرتي على اتخاذ قرار بالإنفصال ولا حتى معرفة سبب رغبتي في الإنفصال عنها.
خواطري الصباحية تلك جعلتني أسهو مرتين؛ مرة عن دفع الأجرة حتى سمعت السائق يكرر المطالبة بالأجرة. ومرة أخرى عندما سهوت عن النزول في محطة "الطشطوشي" ونزلت في ميدان "باب الشعرية" فوجدتها فرصة لشراء الإفطار من ذلك المطعم بالميدان عوضًا عن ذلك المطعم بجوار مقام "المنسي"...
أفطرت واتجهت للشارع الذي تقع به الصيدلية التي أعمل بها.. توقفت للشرب من ذلك المُبرِّد فقد أصابتني (الطعمية) بالعطش. أثناء شُربي ارتفعت عيناي كالعادة ناحية الشرفة التي اعتاد "بيومي" و"عنايات" الجلوس بها.. كانت "عنايات" تجلس مع القلق دون "بيومي".
ـ2ـ
"بيومي" و"عنايات" مسنيين يسكنان بالعمارة المقابلة لشركة الورق الصغيرة. لفتا انتباهي منذ أول يوم عملت به في الصيدلية. وكنت أتعجب دومًا من نظرات "بيومي" الحالمة والمتشبثة دومًا بـ"عنايات"، عكس نظرته الشاردة عندما يتصادف ويسير من دونها بالشارع.
كنت استمتع بمراقبتهما يوم الثلاثاء تحديدًا عندما تأتي الفلاحات بمنتجاتهن البسيطة.. وينزلا ليشتريا ما يحتاجانه... خاصةً الحمام والبيض البلدي، ثم يصعدا مرة أخرى.
كوني لست خريج صيدلة جعلني دائم الهروب من الصيدلية، وكانت فرصتي الذهبية تتحقق عندما أذهب لإعطاء حقنة لأحد بالمنزل. وعندما ذهبت لإعطاء حقنة الأعصاب لـ"عنايات" تعرفت عليهما.
ـ3ـ
منزلهما حديقة.. كان هذا انطباعي الأول والدائم؛ الألوان الوردية والخضراء للحوائط، الأزهار في اللوحات وفي المزهرية، النعناع الأخضر المُلقى على ورق بالشرفة ليجف، رائحة البخور، العصافير بالشرفة.
كنت دومًا ابتسم لدى دخولي لجنتهم الصغيرة.
ينظر لي "بيومي" بعدم فهم. أحاول أن أشرح له أني من الصيدلية وقد أتيت لإعطاء "عنايات" حقنة... لكن نظرة الدهشة والذهول على وجهه جعلتني أتوقف عن الشرح وأقف عاجزًا. حتى أتت "عنايات" لتضرب عصا سحرية وجهه فيبتسم وينظر لها كمراهقٍ عاشق.
تقودني لحيث سأعطيها الحقنة. حقنة الأعصاب قوية ومؤلمة نوعًا.. وخلال اللحظات التي كنت أدفع فيها الدواء لجسدها، كان "بيومي" يمسك يدها وينظر لها بقلقٍ بالغ كأنما أُجري لها عملية استئصال دون تخدير!
انتهي من عملي فتتعكز عليه لتتمشى قليلاً حتى يجري الدواء ويخف الألم. وعندما مرا بجانبي سمعت ما عرفت أنه سؤاله الدائم لها: "هل حققت لك كل أحلامك؟". تهز رأسها إيجابًا فيهز رأسه بالنفي.
ـ4ـ
مرة واحدة فقط خرجت معه، ذهبنا لشارع "محمد عليّ" لشراء (عود). وقضينا النهار بطوله في البحث، وإن كان معظمه ضاع في شروده ومحاولتي تذكيره بالسبب الذي جاء بنا إلى هنا، وبالطبع تذكيره بي شخصيًا.
انتهينا بنجاح، وطلب مني أن نكمل حتى مسجدي (السلطان حسن) و(الرفاعي). جلبت له "سوبيا مززة" كما طلب وجلسنا في الممر بين المسجدين نأكلها وهو شاخص بصره للسماء بين المأذنتين. حتى هبط المساء ولمعت تلك النجمة ـ أظنها كوكب الزهرة ـ أشار لها قائلاً: عنايات.
ابتسمت، وطلب مني أن ننصرف وأن أحتفظ له بالعود في الصيدلية يأخذه مني عندما يشاء على أن يكون هذا الأمر سرًا. وقد كان له ذلك.
ـ5ـ
لم أُحدِّد بعد موقفي من "أحلام". وظللت أعصر ذهني بحثًا عن السبب الحقيقي الذي يلح عليَّ لأنفصل.. لم أستطع التوصل لسبب ولم تستطع "عنايات" الكف عن القلق لتأخر "بيومي" كل هذا الوقت. اتصلت بالصيدلية تسأل عني، فصعدت لها لأجدها غارقة في القلق واجدةً صعوبة في التنفس، لاعنةً رفض "بيومي" لحمل هاتف لتطمئن عليه، وساخطةً على شروده وتخوفها من أن يتوه في ذهوله.
وعندما سألتني عن إمكانية معرفتي لمكانه، أجبتها بالنفي، وأخبرتها أني سأهبط للبحث عنه بالشوارع الجانبية...
وبعد ساعة من البحث وبهبوط عباءة الظلام وبلوغي لسيارات شحن البضائع في الناحية المقابلة لأول شارع "الفجالة" اتصلت بي لتخبرني بعودته بينما كانت "أحلام" تواصل الاتصال بي.
ـ6ـ
عدت لمنزلهما لأجد الباب مفتوح و"بيومي" جالسًا محتضنًا العود بينما "عنايات" ثائرة بشدة وتخبط على كتفيه وعيناه ذاهلتين. يرفع رأسه ناحيتها لتتبدل إلى تلك النظرة العاشقة. يُخرج العود، يضبط أوتاره: "هل حققت لك كل أحلامك؟"...
تتراجع في عدم فهمٍ: أخبرتك ألف مرة... نعم... نعم... نعم.
يشرع في العزف ويبتسم قائلاً: تبقى واحدًا...
"أبو شامة وعلامة... أبو طلعة بسَّامة..."
يبدأ بالغناء.. كان صوته في الحقيقة غير رائع ولكن لا يخلو حسه من راحة مُحببة للنفس.
تتبدل ملامح الغضب على وجه "عنايات" لتبتسم دامعةً وتهمس لي: وعدني ونحن نشاهد "محمد فوزي" يغني في أول عرض بالسينما أنه سيتعلم عزف العود ليغنيها لي".
ابتسمت أنا أيضًا... انتهى من العزف ونظر لها: أحبك يا.... يا... يا...
يتلجم لسانه وتدمع عيناه محاولاً التذكر...
تعاود "أحلام" الاتصال فأخرج للشرفة مجيبها بكل حزم:
لن نستطيع أن نشيخ سويًا.
أعود للداخل لأجد "بيومي" منكفئًا على العود هامد الجسد بينما تحتضنه "عنايات"...
تنظر إليّ.. نصمت سويًا.


كريم فرَّاج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق