الاثنين، 26 مارس، 2012

الارتجالة التاسعة عشر، ارتجالة نجيب محفوظ: النص السادس


أعي لخيط من السائل اللزج ينسال من أنفي.. يثير شعيرات جلدي فأرغب في حك المنطقة أسفل أنفي لكني اكتشف أن ذراعي مكبلة خلف ظهري.. فاتحرك بجسدي كله في فسحة الظلام.. خطوات غير متزنة.. وخطوة أخرى يائسة إلى الخلف.. اصطدم بحائط.. ارتمي عليه بوهن..
السائل اللزج يترك فمي متجهًا ببطء نحو أسفل عنقي.. تعاودني الرغبة في حك مفرق صدري.. أحاول أن أتذكر أين أنا.. الهواء الرطب المختلط برائحة اليوريا يثير اشمئزازي وذاكرتي معًا.. ركضي الفزع نحو باب العمارة الموارب... أصواتهم خلفي تلحقني فترتبك حركتي.. أفقد توازني على الدرجة الخامسة ثم لا شئ.. سوى الظلام.
يعاودني الفزع عندما أتذكره.. يكسر حدة اللزوجة التي تجاوزت بطني لأشعر ببلل دافئ.. أقف في مكاني.. أتجمد للحظة ثم.. أبدأ في الصراخ.. بصوت مجروح.. استمر حتى ينقطع صوتي فاستسلم للأرض..
تجاوزتهم دون أن التفت إليهم.. لكنهم لم يمنحوني فرصة الابتعاد، الركض كان الخيار الوحيد...
يقطع صوت نشيجي صوت باب يُفتح بهدوء.. استرق السمع.. لا شئ رغم إحساسي باقتراب جسد من محيطي.. فجأة تنقشع الغمامة.
الإضاءة باهتة، استعيد قدرتي على الرؤية سريعًا.. لا أجد في محيطي أحد.. غرفة بدون نافذة.. يتدلى من السقف لمبة صغيرة صفراء. وحيز فراغ قليل وسط كراكيب غير محددة الملامح. أحاول أن اطمئن على نفسي.. ملابسي متسخة لكنها سليمة. لا أعرف طريقة لأتأكد ما إذا كان كل ما فيّ سليمًا أيضًا.. انتبه إلى الباب المفتوح.. اقترب بحذر نحوه.. باب العمارة لا يبعد عنه كثيرًا.. انطلق إلى الشارع..
الوقت ما بين الليل والنهار.. الشارع شبه فارغ.. يتسلل الهواء إلى وجهها ورقبتها تخف حمل اللزوجة.. دون أن تحدد مكانها.. عاودت الركض!!

هدى فايق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق