‏إظهار الرسائل ذات التسميات هدى فايق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هدى فايق. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 10 يناير 2017

الارتجالة الخمسون: النص الأول

كرهت الصيف.. فكان جزائي أن أحبس في شتاء لا نهائي
أرتعش من عصف الذكريات.. وتلسعني برودة الأحلام
أنا المنسية وسط أجساد لموتى.. بعيون تقطر حبا لا أستطيع استقباله
مكبلة بأسئلة إجاباتها بديهية غير مقنعة
أحاول الغوص في اللج العميق.. ملفوفة بظلام الماضي
لا شئ حولي.. سوى هذا الشتاء
يعد لي عشاء كما فعل الوحش مع الجميلة
لا أمد له يدا.. كي لا أكسر اللعنة
تظهر أنيابه في ابتسامة..
فأسند على كتفه رأسي مغمضة عيني عن الخريف

هدى فايق

الجمعة، 6 يناير 2017

الارتجالة الخمسون، نوفمبر 2016

                                 ينبئني شتاء هذا العام أننا لكي نعيش في الشتاء
                                 لا بُد أن نخزُنَ من حرارة الصيف وذكرياتهِ
                                  دفئًا
                                 لكنني بعثرتُ في مطالع الخريف
                                 كل غلالي
                               كل حنطتي، وحَبِّي
                              كان جزائى أن يقول لي الشتاء أنني
                             ذات شتاء مثله
                             أموت وحدي
                            ذات شتاء مثله أموتُ وحدي
(صلاح عبد الصبور)
................................................
إنني لا أعاني من عُقْدَة المثقّفينْ.. لكنَّ طبيعتي ترفضُ الأجسادَ التي لا تتكلَّمُ بذكاءْ... والعيونَ التي لا تطرحُ الأسئلَةْ..
(نزار قباني)
.........................................
يقيني أن لا شيء
يقيني ظلامَ الماء في اللّجِّ العميقْ
وأنّ البحر ـ لو ملكتْ يداي ـ
ااغثاءٌ طالما ما بلّ ريقْ
وَهِمْتُ فَهِمتُ
لكن ما فهمتُ
بأنَ الدربَ أوّله الرفيقْ
(عادل محمد)
* اكتب نصًا من وحي هذه المقاطع الثلاثة، على أن يتضمن النص المرتجل كلمتين - أو أكثر - من كل مقطع.

*مثير الارتجال من اختيار هدى فايق

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

الارتجالة الثلاثون: النص السادس


مثير الارتجال: (كريم فرَّاج، النافورة، 2004)

الهواء البارد نبهه لتأخر الوقت... نظر في ساعة يده ليجد عقاربها تشير إلى التاسعة والنصف.
عرف أن أحدًا لن يأتي.. لكن ظنه دفعه إلى هنا كي يغلق أخر الأبواب بإحكام.
ترك مكانه.. وعبر الشارع ناحية جامعة القاهرة يثقله شعور بالخذلان... مرت سنوات تغيرت فيها معالم المكان.. هدمت النافورة التي جلس على سورها ساعات طويلة، وزرعت أشجار لا تُثمر مكانها. لكن كلما عبر من أمام الجامعة لم تُهدم داخله نافورة الخذلان التي تنطلق.

هدى فايق

الجمعة، 29 مارس 2013

كريم فراج.. القصة القصيرة فى حضرة الفانتازيا




«لا تقترب من المقابر.. خاصة ليلا... فربما تقابله.... تقابل من؟ الحدوتة التى تتوارث بين أهل هذه القرية، عن هذا العفريت الذى فقأ عينيه حتى لا يحسد ويقتل أحدا بعد أخيه... يقولون إنه مازال هناك يبكى بجوار قبر أخيه. فلا تقترب».
فى مساحة تعتبر إلى حد ما خاوية من الرواد.. يتقدم القاص كريم فراج ليملؤها بمجموعة قصصية صدرت حديثا عن دار «روعة» للنشر، تحت عنوان «لا قاتل فى دار الحطاب».
المجموعة تنتمى إلى الحكايات الغرائبية، حيث يصنع كريم عوالم تعيد ترتيب العالم الذى يعيشه، وتعالج القضايا الإنسانية بمختلف أنواعها.
كريم كاتب قصة ماهر، تعلم كيف يطور مهاراته الكتابية، ويصل إلى الاحتراف، يصيغ حواراته لتتشابك فى حبكة، تأخذك فى رحلة إلى عالم غريب، ما تلبث أن تكتشف أنه وجه آخر من وجوه الواقع، فلا تملك سوى أن تعجب به رغم ما يتركه فى نفسك من ألم، يظل أثره بداخلك كلما عبر أمامك اسم القصة.
يرى كريم أن هذا النوع من الكتابة هو الذى يفضل قراءته، ولهذا يكتبه «نحن نكتب ما نحب أن نقرأه»، تأثر كما أبناء جيله من مواليد الثمانينات بالكاتب أحمد خالد توفيق، يقول كريم: «ميزة أحمد خالد توفيق وعوالمه التى كنا شغوفين بمتابعتها أنه أعطى لنا الأمل على المستوى الشخصى من خلال أبطاله الذين لم يحملوا فى ملامحهم أى صفات بطولية، كانوا أشخاصا عاديين لكنهم قادرون على تحقيق المستحيل، فضلا عن أنه كان دليلى ومرشدى فى عالم القراءة فلم أكن لأعرف ديستوفسكى وشيخوف وماركيز لو لم يكن قد ذكرهم لى أكثر من مرة».
تعلم كريم مهارات الكتابة الاحترافية من خلال انتمائه إلى جماعة «مغامير» الأدبية التى شارك فى تأسيسها منذ عام 2004، فاستفاد بدليل «مجموعته» من البيئة الإبداعية التى تعطى من يرغب فى المزيد.. أصبح واحدا من فرسان القصة فى الجماعة.
لم ينقطع عن حضور جلسات الورشة الأدبية التى تقيمها الجماعة مرة كل أسبوع، فى كل مرة يكتب قصة جديدة وفى كل مرة يستفيد من التعليقات حتى تراكمت لديه مجموعة كبيرة جديرة بالنشر، «قبل أن أفكر فى النشر بشكل جدى كنت أفكر أنى تأخرت كثيرا أنا أكتب منذ ما يقرب من الثمانى سنوات، وأرغب فى أن يكون لدى كتاب منشور يوثق أعمالى الأدبية، لكن مع بداية ترتيبى للمجموعة أدركت أننى كتبت خلال الفترة الأخيرة (2010-2012) قصصا أكثر نضجا أثرت المجموعة وزادت من قيمتها فى نظرى على الأقل».
مازال كريم فى مرحلة الاحتفاء بالإصدار المطبوع الأول، لم يتمكن من عبور المرحلة الفاصلة ما بين خروج الإبداع إلى المتلقى العام وتقبل النقاد للعمل، إلى حالة الإبداع مرة أخرى، يعبر كريم عن حالة المرحلة بقوله: «بلا شك أثر النشر فى نفسيتى بشكل إيجابى لكن مازالت فى طور تلقى التعليقات من القراء ومن النقاد عن كتابتى، أحاول أن أستفيد منها قدر الإمكان لتطوير تكنيكى فى الكتابة، على الرغم من أن الشهور الماضية تعتبر أسوأ فترات حياتى بسبب أننى لم أكمل كتابة قصة خلالها».
وعن المجموعة يقول دكتور حسين حمودة - الناقد الأدبى: «هذه المجموعة تنهض قصصها جميعا فيما أتصور على روح مغامرة تُعيد النظر فى مسلمات كثيرة أحاطت خطأ بفن القصة القصيرة وما يسمى بناء القصة القصيرة وعناصرها، كريم فى هذه المجموعة لا يتخلص فقط من كل العناصر التى يمكن تخيلها حول القصة القصيرة، لا يفعل هذا فقط، ولكنه يغامر- تقريبا- فى كل قصة من قصص المجموعة كلها فى وجهة أخرى مغايرة أو مختلفة».

مقال لهدى فايق نُشر بجريدة الصباح يوم السبت 16 مارس 2013  

الخميس، 5 يوليو 2012

الارتجالة الثالثة والعشرون: خروجٌ على النص


بعد الكفر.. طالت الأيام.. وأصبح الوقت المفروض علينا في الصفوف الطويلة لا نهائي.
أصبحت خطبه التي يطيل فيها تمجيد ذاته تثير لدينا الغثيان، لكن لم نكن نقوَّى على إعلان التمرد.
خطواته المنتظمة تزيد من يقيننا بخواء أسطورته التي زرعها في عقولنا.
يقول: أنا إلهكم الذي خلقكم.. لا تملكون من أمركم شيئًا، أقول فتطيعون وبأمري تحيّون.
لولاها.. هي آخر المخلوقات التي جاءت كما أرادها جميلة تذهب بالعقول ولا تترك للطاعة علينا من سبيل.
قالت: أنا الأجمل.. أنا الأحق بالاتباع.
فما كان منا سوى الطاعة.. هزم الجمال الجبروت لكنه لم يقدر على الخوف.
ظلت صفوفنا في انتظامها تحت صوت الإله القابض على مقاليد حيواتنا.
حتى خرجت دون إذن.. دون كلمة تحركت.. فبُهت الإله. صرخ بصوت هز أرجاء الكون.. نسيت .. إني صانعها.. ومن وهبها الجمال.. سارت في طريقها دون التفات لتكشف عن عجز الإله.. تبعناها في صمتٍ عابرين للمرة الأولى البوابة الضخمة نحو عالمٍ بلا آلهة.
هدى فايق
 عن قصة
 "الأرمــــــــــلـــــــة الــــــســــوداء"
يحيط وجهها بكفه وهو منكس الرأس. يحاول أن ينطق ولكن شجاعته تخونه للحظات قبل أن يرفع رأسه ويكمل بهدوء: لقد كان هو دميتي المطيعة التي استخدمها في التقرب لدميتي الجميلة. ولكن...
ينهض ويكمل وهو يفقد هدوئه تدريجيًا: ولكن الدمى تمردت على قواعد اللعبة. الدمية المطيعة أحبت الدمية الجميلة. الدمية الجميلة عشقت الدمية المطيعة.
يصفعها بقوة وهو يصرخ: الدمى نسيت أني صانعها. الدمى جحدت بإلهها الذي وهبها الأضواء. وخالفت السيناريو.
يستعيد هدوئه وهو يستدير للجمهور وهو يضع أنامله أمام وجهه متظاهرًا بالخوف وقال: ما هو عقاب الدمى المتمردة؟ بالضبط .... يجب أن ُتحطم .

الاثنين، 26 مارس 2012

الارتجالة التاسعة عشر، ارتجالة نجيب محفوظ: النص السادس


أعي لخيط من السائل اللزج ينسال من أنفي.. يثير شعيرات جلدي فأرغب في حك المنطقة أسفل أنفي لكني اكتشف أن ذراعي مكبلة خلف ظهري.. فاتحرك بجسدي كله في فسحة الظلام.. خطوات غير متزنة.. وخطوة أخرى يائسة إلى الخلف.. اصطدم بحائط.. ارتمي عليه بوهن..
السائل اللزج يترك فمي متجهًا ببطء نحو أسفل عنقي.. تعاودني الرغبة في حك مفرق صدري.. أحاول أن أتذكر أين أنا.. الهواء الرطب المختلط برائحة اليوريا يثير اشمئزازي وذاكرتي معًا.. ركضي الفزع نحو باب العمارة الموارب... أصواتهم خلفي تلحقني فترتبك حركتي.. أفقد توازني على الدرجة الخامسة ثم لا شئ.. سوى الظلام.
يعاودني الفزع عندما أتذكره.. يكسر حدة اللزوجة التي تجاوزت بطني لأشعر ببلل دافئ.. أقف في مكاني.. أتجمد للحظة ثم.. أبدأ في الصراخ.. بصوت مجروح.. استمر حتى ينقطع صوتي فاستسلم للأرض..
تجاوزتهم دون أن التفت إليهم.. لكنهم لم يمنحوني فرصة الابتعاد، الركض كان الخيار الوحيد...
يقطع صوت نشيجي صوت باب يُفتح بهدوء.. استرق السمع.. لا شئ رغم إحساسي باقتراب جسد من محيطي.. فجأة تنقشع الغمامة.
الإضاءة باهتة، استعيد قدرتي على الرؤية سريعًا.. لا أجد في محيطي أحد.. غرفة بدون نافذة.. يتدلى من السقف لمبة صغيرة صفراء. وحيز فراغ قليل وسط كراكيب غير محددة الملامح. أحاول أن اطمئن على نفسي.. ملابسي متسخة لكنها سليمة. لا أعرف طريقة لأتأكد ما إذا كان كل ما فيّ سليمًا أيضًا.. انتبه إلى الباب المفتوح.. اقترب بحذر نحوه.. باب العمارة لا يبعد عنه كثيرًا.. انطلق إلى الشارع..
الوقت ما بين الليل والنهار.. الشارع شبه فارغ.. يتسلل الهواء إلى وجهها ورقبتها تخف حمل اللزوجة.. دون أن تحدد مكانها.. عاودت الركض!!

هدى فايق

الأربعاء، 29 فبراير 2012

ارتجالة الخميس 5 مايو 2011: حياةٌ مزدوجة


لم أعرف أني واقعة في غرامها حقًا سوى في اللحظة التي جاءتني فيها فرحة بتحديدهما موعدًا للزفاف. كنت أرى أن علاقتها به، والتي دامت لمدة عامين، جزء لا يتجزأ من علاقتي بها؛ وجوده، حكايتها عنه، حتى في المرات التي كانت تبكي فيها منه، أضمها إلى صدري بقوة مغرقةً وجهها ورأسها بالقبلات، كنت دومًا حريصة على أن أعيدها إليه في كل مرة.
في اللحظة التي أدركت أن جسدها الغض الخمري سيصبح ملكًا خالصًا لسواي يحظى بالحضن الدافئ والشفاه الطرية، ارتجف قلبي، خطر لي أنها ربما ستعاف نفسها ضمة ذراعي وتكتفي به ... وتتركني.
تنبهت إليها وقد اكتسى وجهها باستفهام عن شرودي غير المبرر
هنا لم أجد سوى الدموع ردًا زاد من حيرتها... تداعى جسدي فتلقفتني بين ذراعيها... تدفقت رائحتها إلى روحي فاشتعل جسدي.
..........
لا أملك الابتعاد عنها ولا أقوى على الاستمرار في لعب دور الصديقة، كوني الطرف الأضعف في العلاقة لا يمنحني سوى ما تجود به عليّ، كلما أحست بحاجتها لبعض حنان، لا يملك رجلها أن يمنحها إياه في جرعاتٍ منتظمة، تأتيني... فأغدق عليها.
امتنعت عن زيارتها منذ انتقالها للعيش معه، رؤيتهما معًا أصابتني بنوبات صداع تزداد بمرور الوقت، قبلت بزياراتها المتباعدة. أغلقت جميع الأبواب في وجه المتوددين، لم يكن اخلاصي عن ضعفٍ إنما عن امتنان لوجودها الذي عرفني إلى ذاتي، قد يكون أربك حياتها لكنه وحد حياتي لتدور في فلكها.
هدى فايق

الجمعة، 24 فبراير 2012

الارتجالة الخامسة عشر: خروجٌ أول


لن يبقى في ذاكرته سوى صوت الساعة التي كانت تتحرك على مهلٍ لتقف لمدة ثانية عند الرابعة، يتحرك البندول النحاسي الطويل مُصدرًا صوتًا عميقًا مكررًا أربع مرات ليعاود صوت الثواني مقاطعة سكون المكان برتابة.
مررت عبر البوابة الزرقاء الحديدية إلى الشارع الخالي إلا من ريحٍ تمشط البيوت بحثًا عن حلم نسيه أحدهم قبل رحيله لم يكن سوى خطوة أخرى في الحياة.
سيتعلم رفقة الحقيبة السوداء الممتلئة بأشباحٍ عاش في كنفها، يقطع الأميال خوفًا من أن تملكه أرض فيتملكها.
سيغير اسمه ومحل ميلاده وسيمحو خانة الديانة من بطاقة هويته..
يسلم كل ليلة رسالة لصندوق البريد عليها عنوان قديم لا يذكر منه سوى ساعة تدق كل مساء في الرابعة.

هدى فايق

الاثنين، 13 فبراير 2012

الارتجالة الرابعة عشر: النص الخامس


أنتقل بخفة بين المربعات التي يتشكل منها مدخل البيت، رائحة القرنفل تخترق روحي .. فأفرد ذراعي على اتساعهما وألقي بجسدي على العشب الأخضر ..

أفتح عيني بمجرد ارتطام جسدي بالأرض لأجدني على الأريكة في "غرفة الجلوس"، صوت مذيعة نشرة الأخبار الحيادي يربك مخيلتي التي لا تزال رطبة بصور الحلم، أقرر أن أخفض صوت التلفاز بدلاً من إغلاقه، وأخلع نظارتي وأعود مرة أخرى للنوم .. يخطر لي أني أصبحت تقليدية في أحلامي حيث لا يوجد سوى خيالي القريب عن بيت متسع بحديقة خضراء، يخطفني نوم ثقيل بأحلام متداخلة يركض فيها كل من عرفته في حياتي بفزعٍ لا أفهمه، أفتح عيني بعد زمن الحلم الطويل لأجد ذات المذيعة بأحمر شفاهها اللامع تقرأ بلا تعبير أخبارًا لا تحمل أي جديد! 
أتطلع إلى شاشة الموبايل  لسبب خفي أو ربما عادة قديمة ورثتها من زمن الانتظار، أتطلع إلى السماء من النافذة فوقي وأغمض مرة أخرى .. 
أشعر وكأني استيقظت بقرار سريع، أقفز من فوق الأريكة.. اتجه مبـاشرة إلى باب الشقة أفتحه وأنزل الدرج بسرعة.. في الشارع الخالي يتملكني الخوف ... أحاول أن أتذكر سبب نزولي إلى الشارع في هذا الوقت وحدي، أبحث عن طريقٍ للعودة ... أشعر بالضياع ... السقف وصوت المذيعة والسماء المائل لونها لحمرة غريبة! 
أقف تواجهني المرآة الكبيرة على طول الحائط أمامي فأتحاشى النظر إليها .. يزعجني شكل شعري غير المرتب فأحاول تسويته، الكلاب تنبح بفزع فيرتجف قلبي، أحاول تجاهل الفكرة، أنظر للسرير عن بعد أحاول أن أسلم جسدي .. لكني أتراجع! 
هدى فايق

الخميس، 24 فبراير 2011

الارتجالة السابعة، إبريل 2010: آخر أيام الأرض


دقات الجرس المنتظمة، الحبال المدلاة بوهن من السقف المقوّس، اللون الرمادي يطغى على الوجود، يوزّع الضيق بديلا عن جسد الرب، وكأن صباح الأحد قرّر ألا يأتي!
يحاول أن يخرج من صف الجوقة الذي نشزت نغمته، تخونه جرأته، فيستنجد بالزجاج الأزرق المشكّل على وجه الأم، محاولا تقدير احتمالات النجاة.
الأرض الخشبيّة تئن من ثقل الذنوب المتسرّبة من أوصال الواقفين، لكن السماء لم تعد قريبة بما يكفي لتحمل عن الأرض ثقلها!
يخرج من بين الجدران، يشعر بظلٍّ ثقيل يمتطي ظهره.. يحاول الهرب.. تتسارع خطواته حتى تكاد تفارق الأرض.. يحدوه الأمل في الصعود.. يفاجأ بسقوط المطر!


هدى فايق

الأحد، 13 فبراير 2011

الارتجالة السادسة مارس 2010: النص السابع


      أصرَّت أن يشتري نصف متر من القماش في بكارة الصباح، وأن يُدفن بجوار جدتها بالصعيــد.. وقد فعـل، رغم أن الجنين لم يكن قد شارف على السابعة بعد، ورغم أنها ترقد هناك في تلك المستشفى الاستثماري الجليدية!
      بعدها بخمس سنوات وجدتُها تعبر ميدان الوليد (رمسيس سابقًا)، تجرر خلفها طفلة وتسند بباطن كفها طفلاً لم تكن تدري بعد أذكرٌ هو أم أنثــى؟!
      وبعدها، عندما غيَّروا النشيد القومي إلى النشيد الوطني، وأيضًا عندما غيَّروا العَلَم الملـون إلى العَلَم أحادي اللون، عرفتُ حينها أنها قد شرَّقت ثم شمَّلت ثم غرَّبت ثم شرَّقت. عرفتُ كل ذلك في يوم واحد وفي ساعة واحدة وبجملة واحدة، وكأن هذا العــالم الذي عشتُ به ولم أعش هو كعيـن شمــس، أو ربما كجزيرة محمد.
      بعدها سمعت عن ابنها الذي رأيته مكـوَّرًا مرة.. سمعتُ أنه يريد أن يعود إلى أراضي اللون الواحـد، لكن البلاد ماطلت ثم رضخت له في النهاية، فكان إنشاء جمعية لحقوق الحيوان والبيئة، وعندما أراد أن يبدأ من حيث نشأت أمه.
      عشق الجنوب فأخذ يذهب إلى جنوب الجنوب حتى خرج من البلاد مع قافلة عابرة، وعندما باعوه إلى الرجل الضئيل ذي الأسنان البيضاء، أعجبته بشرته التي نال منها مناخ الغرب، فطبخه مع بعض البهارات الهندية، وتناوله حتى شعر أن كفَّ يده أصبح أكثر أنثويــة وأكثر بياضًــا.

 محمد سيد عن هدى فايق

الأحد، 6 فبراير 2011

الارتجالة السادسة مارس 2010: النص الأول


تدفع الباب الزجاجي الثقيل فيصلها صوت شيرين ..
)وأقولك روح.. حلاوة روح..(
      فتتنهد وتتوقف للحظة، ثم تدور بعينها على صفوف الأحذية الملونة، لا يستوقفها شيء رغم بهجة ألوانها، تهدئ خطواتها مع انتهاء الأغنية، وتمسك بحقيبة يتداخل فيها الأصفر مع الوردي ويلفُّها الأخضر.. تبتسم لأنها تذكرها بالحلوى التي كان يقدمها لها كل صباح .. وتفكر جديًّا في شرائها
      يقاطع قرارَها صوتُ أنغام يهمس بلهفة:
(دلوقتي أحسن ..)
      فتترك الشنطة من يدها، وتقرر أن تشتري أخرى بيضاء.. لا لون فيها!
     تدفع ثمنها دون أن تجادل البائع في ثمنها، وتخرج لاستنشاق هواءٍ جديد.


 هدى فايق عن رانيا رضا

الاثنين، 24 يناير 2011

الارتجالة الخامسة يناير 2010: النص الأخير

وبعد أن تخلص من بقية الأعلام – فاقدة الأجنحة – توجه إلى الميناء، الميناء المهجور كنبي لم يؤمن به أحد. في الظلمة وقف بينما أصوات المشجعين تتهافت إليه كلما وصلت الكرة إلى الحارس السكير ذي الندبتين تحت العينين، تماما كتهافت ركاب المركب الذي سينقلهم إلى الخصم.
تهاوى على المركب المتآكل بفعل ملح البحر، دونما حركة تذكر وكأنما حركة الاستاد الذي كان يغص بالألوان قد سلبت منه قدرته، كان البحر ساكنا جدا تمر فوقه نسمة خفيفة أثارت داخله رعشة ذكرته بسناء، فابتسم لصورتها تمشي وسط الحارة بالجينز الضيق و(البادي) قبل أن ترتدي (الجاكت) عند باب عمارتهم خوفا من غضب والدها الصعيدي.
لكن ما لبثت سناء والابتسامة أن فارقتا وجهه الشاحب باللحية نصف المشذبة لتتركه عند الانكسار الذي فرد أشرعته في نواحي نفسه.
الهدف الأول جاء على حين غرة عندما كان اللاعبون ملتفين حول المدرب الذي يوصيهم بالصلاة والزكاة وإيتاء ذي القربى.. فصلى الجمهور على الرسول الكريم.
أما الهدف الثاني فاحتسبه الحكم عن غير قصد عندما نفث بغيظ في الصفارة التي تتوسط شفتيه عند مرور الكرة من بين ساقي الحارس نصف النائم.
أخذ نفسا عميقا وحاول إشعال سيجارة، إلا أن الولاعة لم تخرج سوى شرر أصفر بارد..
وزكمت أنفه رائحة الغاز المتسربة فألقى بها على طول ذراعه فسقطت في البحر دون أن تحدث أي اهتزاز يكسر استكانة الماء.. تحرك مجرجرًا قدميه .. وظهره محني من أثر القنوط.
محمد سيد
هدى فايق

السبت، 22 يناير 2011

الارتجالة الخامسة يناير 2010: النص الثامن

لم يكن ذلك من تأثير المخدر فقط، كانت مخاوفها التي طالما تجسدت لها كوابيس ليلية ترج جسدها فيتمايل وكأنها فقدت السيطرة عليه.
تحاول استيعاب ما حدث، فتخرجه في جملة ذات تركيب بسيط ، لكنها تفشل، تسقط على الأرض فتنتبه أختها من نومها وتسرع إليها لتساعدها على العودة إلى سريرها، تتمنى لو تملك ألا تستلقي.. تلك الراحة التي تمثلت كابوسا كبيرا يرعى مداخل نومها لكن تتهاوى في النهاية، لن يكون الكابوس أسوأ.. تتناثر نوما وسط هدهدة دمعة مشتبكة بجفنها: "الأسوأ لم يحدث بعد.. الأسوأ لم يحدث بعد.. الأسوأ لم ..."
.
.
يبدو كما كان في مشهد النهاية، مستلقيا على سريره، مغمض العينين تذكرني كل تفصيلة لتلك الدقائق الخمس قبل رحيله.. ملامحه مسالمة.. كف مرفوعة الإصبع كتسبيح أزلي، قدمه اليمنى متكئة على اليسرى لتناقض فعل الرحيل القادم قريبا.. لكن.. لم يكن المشهد كذلك هناك خطأ ما.. تذكر حشرجته قبيل الرحيل لكن لم يبدو وقتها بذاك التكسر في وجهه.. كانت حشرجة ،........،  يفزعها صراخ ملامحه.. تكره ارتفاع صوت الحشرجة.. تصرخ.. لتكون التغيير الثاني..
.
.
تفيق.. تذكر.. تتعوذ كالعادة.. تتذكر طيبة حشرجته في الواقع.. تهدأ.. تذكر ما غاب وتبكي.. وتعود لنوم مؤلم.. وتعود الجملة: "الأسوأ لم يحدث بعد".
.
.
ثانية.. نفس المشهد.. تأنس بحضوره.. تذكر: هذا حلم.. تعرف أن.. لكن.. عين مفتوحة.. ترقبها.. يصرخ ألما.. تنتفض لفعل العجز..
فتصحو..
.
.
يتكرر.. ذات الحلم.. ذات الواقع..
مع نتف تتحور.. وذات الجملة: "الأسوأ لم يأت بعد".
كجملة كهف الكنز.. كهف كوابيسها..
...
يوم...
عشرة..
.....
الأسوأ قد جاء.. في الحلم..
......
الأسوأ لم يأت بعد..
هدى فايق
دينا الحصي

الاثنين، 3 يناير 2011

الارتجالة الرابعة، النص السادس: ابتداء


حين قالت جدتي لأمي ثالث أيام العزاء: "أبوك معي..إنّه لا يفارقني لحظة..حسبتها أمي جملة تقليديّة عابرة، مما يُقال دومًا في مثل هذه الظروف.. لكنني صدقتها؛ فقد لمحتُ لمعة الصدق تبرق في بحر عينيها الأزرق، والتي طالما أخذتني معها وهي تحكي عن أيام صباها..كما أنّها نطقتها بتلك النبرة الهادئة ذات الدلال، التي كانت تخصّ بها جدي وحده..
في الليلة التالية.. نبهني من النوم صوتها وهي في صحن الدار الواسع، تجلس مستندة إلى الحائط الذي لم يُغطَ طوبه الأحمر بأسمنت منذ إعادة بنائه.. كانت مغمضة العين، مبتسمة القسمات.. تردد بهمس:
"يا غايبين عن العين.. امتى تزورونا..
نزل القمر من عاليه.. خوفي لَتنسونا..
يا غايبين والقلب.. ماعادش طايل فرح..
طُلّوا علينا ف ليل.. يمكن تواســونا..."
  تسرّبت مني الدموع وأنا أتمايل على صوت وجعها المنَغّم، ولم أتمكن من هتك لحظتها.. غير أنّ صدى كلماتها قد ثقب جدار الأمن، وسرّب الخوف إلى روحي؛ فلم يعاود النوم ارتكانه إلى جفني سريعًا.. وما إن عاد حتى تلقفني جدي بين يديه الضخمتين.. كان يُهدهدني وكأنّي طفلة لم أبلغ العامين بعد.. لكنني أستطيع تمييزه وفهم كلماته.. ما لبث أن قرّب أذني من فمه، وهمس لي: "أخبري جدتك أنّي معها، ولن أفارقها لحظة"، فأجبته أنّها تعلم ذلك؛ فانتشر الرّضا على ملامحه السبعينيّة، وأغمضتُ عيني لأفتحها على نور الصباح...


هدى فايق

الخميس، 11 نوفمبر 2010

النص السادس


تلك الليلة لم أكن أنا، كنت مجرد روح هائمة تحاول كسر حصار الغرفة الصغيرة.. بعيدًا عن الأزرق الباهت الذي أصبح كل عالمي.. ما عُدت أحسب السنوات منذ أن تيقّنت ألا سبيل للخروج.
أقف في مواجهة النافذة الوحيدة العالية، ذات القضبان الحديديّة المتعرّجة وكأنها ملّت الوقوف.. لا أرى سوى القطعة السوداء ذاتها بفصوصها المضيئة، أحاول أن أقرأ طالعي فيها.. ولا أتمكن سوى من رسم دائرة كبيرة تحكم الخناق على النجمة الكبيرة اللامعة.
يُضفي ضوء المصباح الأصفر -المتدلي من السقف- خمولاً على روحها الثقيلة، التي عادت لتستكين في جسدها المسجون داخل معالمه التي تشكلت أبكر من اللازم؛ لتلازم البيت وفق عرف بلدها وهي في سن الحادية عشرة.
بعد أن حلّ شتاءان ورحلا ولم تخرج هي من البيت بعد، توقفت عن حساب الشتاءات، واكتفت بقضاء الليالي تمسح جدران الغرفة الصغيرة بعينيها.. تقارن بينها وبين قريناتها اللاتي يتزوجن -الواحدة تلو الأخرى- ويكتسبن جواز مرور للحياة الحقيقية، وليست مجرد يوم طويل على مدى عمرها البيتي.
ذات ليلة فكرت في الهرب.. هي تعرف أنها لن تتزوج.. ماذا لو تسللت في الليل بعد أن ينام الجميع؟ باب الدار مغلق بترباس كبير لن يصدر صوتًا عاليًا إذا ما فتحته.. لكن السؤال الذي أوقفها: إلى أين ستذهب؟!
تراجعت رغم ضيقها باللقب الذي أصبح لصيقًا باسمها (البايرة).
هاهو الصبح يطفئ ضيّ النجوم في السماء.. الديك العجوز يصيح موقظـًا دجاجاته.. وهي.. تستلقي على السرير مستسلمة للخدر الذي بدأ في مداعبة أجفانها.. لتستعد ليومٍ جديدٍ مُعَاد.

                       هدى فايق