الجمعة، 4 أكتوبر، 2013

أولاد حارتنا من زاوية منفرجة



قرأت أولاد حارتنا للمرة الأولى إبان محاولة اغتيال الكاتب الراحل نجيب محفوظ في التسعينات، حين نشرتها إحدى الصحف كاملة في عدد خاص لم يحتو على شيء سوى الرواية. استعرت الجريدة من صديق استعارها من صديقه بدوره وقرأتها في فترة قياسية. كنت وقتها في الصف الثانوي وقد قرأت كل أعمال نجيب محفوظ إلا هذه الرواية بسبب منعها. أول ما فكرت فيه بعد قراءتها أني لو كنت قرأتها قبل أعماله الأخرى ما قرأت تلك الأخرى أصلاً. كراهية عميقة تولدت داخلي للرواية وإحساس بميلها للمادية والعلمانية وجرأتها في استخدام الرمز. ضمنت إحدى رسائلي بعضًا من انطباعاتي الأولية هذه عن الرواية وارتأى أخي الكاتب محمد حمدي غانم أن يجعلها في مقال نشره لي في موقع كان لنا سابقًا.
ثم حصلت مؤخرًا على نسخة من طبعة الرواية الجديدة بعد أن سمح بنشرها، وقررت أن أقرأها بعينين جديدتين وعقل أضاف ثلاث عشرة سنة لخبراته ورؤيته؛ وأن أعامل الرمز كما يستحق أن يعامل. وأقر أن رؤيتي الأولى كانت قاصرة بنسبة كبيرة.
لكي نلج إلى "أولاد حارتنا" بشكل صحيح، يجب علينا أن نعامل الرمز وعلاقته بالمرموز بحذر. وأبسط تعريف للرمز هو ما نقله لنا د. علي عشري زايد في كتابه "عن بناء القصيدة العربية الحديثة" بأنه "محاولة تقديم حقيقة مجردة أو شعور أو فكرة غير مدركة بالحواس في هيئة صور أو أشكال محسوسة".
إذا عرفنا هذا، وأضفنا إليه أن الرمز في "أولاد حارتنا" استخدم لإسقاط العبرة في قصص الأنبياء على الواقع المعاصر؛ ثم انتبهنا ـ وهذا أهم شيء ـ إلى أن الجبلاوي ليس إلا رمزًا للدين وليس لله عز وجل، تعالى عن ذلك علوًا كبيرة؛ فهمنا ما يرمي إليه نجيب محفوظ.
أقرب ما يرد بخاطري إلى أسلوب "أولاد حارتنا" هو أسلوب الشيخ الشعراوي رحمه الله الذي كان كثيرًا ما يستخدم أمثلة حياتية للتدليل على وجهة نظر ما في علاقة العبد بربه سبحانه وتعالى، فيورد مثالاً لرحمة الأب لولده ثم يجري ذلك على علاقة الله بالعبد شافعًا ذلك بعبارته "ولله المثل الأعلى". لو ظللنا لسنوات نردد قصص الأنبياء على آذان البسطاء مستنبطين منها العبرة تلو العبرة ومبينين أن كفاح هؤلاء الأنبياء ضد الطغيان هو قصة تتكرر كل يوم، ما بلغنا ذلك الأثر الذي بلغته "أولاد حارتنا"، وهذه روعة الرمز والإسقاط.
في "أولاد حارتنا"، الجبلاوي هو "جدنا، جميعنا من صلبه"؛ وهو سيد الحارة ومنشئها و"باسمه سميت حارتنا. وهو صاحب أوقافها وكل قائم فوق أرضها والأحكار المحيطة بها في الخلاء"، والأهم من ذلك أنه "هو أصل حارتنا وحارتنا أصل مصر أم الدنيا". بهذه العبارة الأخيرة، يوضح نجيب ببساطة أن ما سيعرضه هو نموذج مصغر لما يحدث في الأمة العربية والإسلامية، وهذا لا يتناقض مع من فسر الرواية بأنها رسالة إلى الثورة المصرية لتحدد موقفها أهي مع الناس أم مع الحكم، لأن نجيب أراد لرسالته في الرواية أن تكون عامة شاملة غير محددة ببلد معين، لأنها بهذا تشمل فيما تشمل مصر وثورتها وحكامها.
نجيب يقول إننا جميعًا أبناء هذا الدين "جميعنا من صلبه" وباسمه تسمت أمتنا، وباسمه أيضًا نستذل ونقهر من قبل من يتحكمون في أوقافه، كما جاء على لسان إحدى الشخصيات. والجبلاوي/الدين يتغير موقفه في الرواية من قمة القوة في بداية الأمر حين عاش في الحارة وهي "خلاء خراب، ثم امتلكها بقوة ساعده ومنزلته عند الوالي" إلى قمة الضعف بل والموت في نهايته، ويصاحب ضعفه ضعف الحارة/الأمة في كل لحظة عدا لحظات القوة القليلة التي تسطع هنا وهناك. وبين القوة والضعف انعزل الجبلاوي في بيته ولم يعد يراه أحد.
اختار نجيب خمس قصص، أدهم/آدم، جبل/موسى، رفاعة/عيسى، قاسم/محمد و عرفة/العلم.
وإذا كان جبل ورفاعة وقاسم يمثلون أهم التغيرات في المنطقة العربية بحملهم للرسالات السماوية الثلاث، فإن أدهم يمثل بداية الابتلاء والخروج من النعيم إلى الكفاح والنموذج الأول للضعف الإنساني ومزيج النقاء والخطيئة في نفس كل منا. كما يمثل إدريس/إبليس مبدأ الشر وبداية الصراع الذي لا ينتهي. ثم يجيء عرفة ليصور تأثير العلم والمادة في الحياة بعد أن اكتملت رسالة السماء إلى البشر.
كنت، في قراءتي الأولى، شديد الامتعاض لرؤيتي (جبل) وهو يدخن الجوزة مع الساحر الذي علمه والذي سيزوجه ابنته أو لشرب رفاعة للخمر. والحقيقة أن هذا كان خلطًا مني، فالشخوص هنا انسلخت من القصص الأصلية ولم تعد شخوص أنبياء معصومين من الخطأ ومنزهين عن صغائر البشر. لقد صارت شخصيات من صميم الحارة المصرية لأننا ـ ببساطة ـ صرنا نتكلم عن الحارة. هذه الشخصيات، كما هو معتاد في سكان الحارات الشعبية القديمة، تدخن الحشيش والجوزة وتشرب البوظة أحيانًا.
لا يجب أن نتوقع أن نقف أمام شخصيات متدينة أو مترفعة عن الحياة العادية وإلا انفصلت عن الواقع وفقد الإسقاط مغزاه.
حبكة الأحداث كذلك لم تعد واحدة، لقد اتخذ نجيب من أحداث قصص الأنبياء إطارًا لقصص حارته، فجبل حين يهاجر من حارته يتعلم السحر في سوق المقطم لأن سحر موسى كان معجزة من الله سبحانه وتعالى أما هنا فالأمور تجري مج رًى ماديًا بحتًا بعيدًا عن العون الإلهي.
نعود إلى القصة. كما في الحرافيش، يؤكد نجيب على استمرارية الصراع بين الخير والشر حيث يجثم الشر طويلاً على صدور الناس حتى يخرج من يكافح لتحويل هذا الواقع الأليم ويشق كوة نور في جدار الظلام الدامس تشع قليلاً ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه. لكن الشر هنا يتمثل في صورة ناظر الوقف/الحاكم والفتوات/الطغاة/الذراع الباطشة للحكم بينما كان هناك في صورة الفتوات فحسب. ومرة أخرى، تتنوع أساليب مكافحة الطغيان كما حدث في الحرافيش، حيث كان كل من يخرج لمجابهة الفتوات يأتي بأسلوب مختلف عن سابقه لكن ينقصه شيء يمنعه من الاستمرار على الدرب فتعود الأمور إلى ما كانت عليه. التغير في أولاد حارتنا يجيء في تغير الرسالة حسب الزمن. فجبل، يأتي بالشدة والعدل الذي لا يعرف التنازل، ورفاعة يأتي بالرحمة التي تنأى عن الشدة، ثم يجيء قاسم بالوسطية وتعم رسالته أحياء الحارة جميعًا بخلاف جبل ورفاعة اللذين كان كفاحهما موجهًا لنصرة حي كل منهما فحسب.
المفارقة أن المرء بعد نظرة متأنية إلى "أولاد حارتنا" يجد أنها رواية دينية القصد تعلي من شأن الدين وأثره في الأمة وتبين ما أصابها من وبال حين ابتعدت عنه وحين عزلها الحكام عن روح الدين وعدله وحكموا باسمه لكن بقواعدهم مخالفين "شروطه العشرة" في توزيع الوقف.
لكن، ما الذي عناه نجيب بموت الجبلاوي قبيل النهاية متأثرًا بجرأة عرفة التي دفعته إلى التسلل إلى قصره بليل وقتله لخادم الجبلاوي المخلص. وما معنى أن يقول الناس "لا شأن لنا بالماضي، ولا أمل لنا إلا في سحر عرفة، ولو خيرنا بين الجبلاوي والسحر لاخترنا السحر". هل هذه دعوة إلى العلمانية؟
لا.. هذه النهاية تقص ببساطة ما حدث للأمة حين رمت تراثها الحضاري الديني وراء ظهرها وانبهرت بحضارة المادة المبنية على العلم وحده. هذا العلم الذي سفه من شأن رجال الدين (خادم الجبلاوي) في نفوس الناس فمات الدين في قلوبهم. أما قولهم إنهم يفضلون السحر، فإن نجيب يوردها مسبوقة بقوله: "ومن عجيب أن تلقى الناس أكاذيب الرباب بفتور وسخرية، وبلغ بهم العناد أن قالوا...".
فقصص الأولين، أدهم وجبل ورفاعة وقاسم، التي كان الرباب هو المؤرخ لها، صارت "أكاذيب الرباب"، وقولهم إنما انتهوا إليه بعد أن "بلغ بهم العناد".
الحقيقة إذن، أن نجيب يقرر ببساطة أن الأمة لا يمكنها أن تتخلى عن الدين ولا أن تستبدل به الحضارة المادية العلمية.
وربما يتبادر إلى الذهن تساؤل: لماذا فصل نجيب بين الدين والعلم رغم أن الدين دائمًا ما يحث على العلم؟ وأرى أن القصد هنا بالعلم هو الحضارة المادية التي جاء بها الغرب. ربما كان يجدر بنجيب أن يلمح إلى أن هذه الحضارة المادية كانت ملكًا للأمة فيما مضى ونبعت من حضارتها الدينية أولاً، لكن يبدو لي أنه إنما كان يناقش خطوطًا عريضة ويهتم أكثر بمسار الصراع بين الخير والشر والنتائج النهائية لكل من التطورات الكبرى في حياة الأمة.
نحن أمام عمل يلخص تاريخ البشرية ببساطة شديدة، ويضعنا ببراعة أمام معضلتنا ليذكرنا بما يجب علينا أن نفعله.
الشاعر/نزار شهاب الدين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق